من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٨ - كيف نحطم أصنام الكفر؟
شيئا، إنهم فقدوا قدرتهم على التفكير والاستقلال الثقافي، وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ أي يصيح مقلدا لصياح الآخرين بِمَا لا يَسْمَعُ أي بصياح لا يفهمه هو إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً مبهما وغير معروف لديه، وهؤلاء في الواقع صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لأن الفائدة من الأذن، واللسان، والعين هي المعرفة والعقل، وحيث لا عقل فلا إحساس فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ إن هذا مثل واحد لهؤلاء الناس الذين لا يتمتعون بالاستقلال، ولا يتحررون من عبادة الأنداد من دون الله، وبالتالي لا يستغلون موهبة العقل عندهم.
[١٧٢] ومثل آخر يضربه القرآن من واقع اتباع رجال الدين المحرِّفين لكلام الله، وهم صورة أخرى للتخلف الاجتماعي حيث يبررون الأنظمة الفاسدة، وقبل أن يضرب القرآن هذا المثل يعود ليأمرنا بالانتفاع من نعم الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وربما توجه الخطاب للمؤمنين هذه المرة، بينما كان الخطاب عاما في الآية السابقة، ربما ليدحض القرآن فكرة أن الدين تخلُّف ورجعية ومنع للطيبات، كما كان يوهم تصرف رجال الدين المحرّفين، وليثبت العكس وأن الدين يأمر بالتقدم، والتطور، والطيبات، وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على هذه النعم، وذلك بأن تكرموا هذه النعم، وتقدروها، وتحترموها. ولأن الخطاب للمؤمنين لم يكتف بالسلب (لا تتبعوا خطوات الشيطان)، وإنما وصى الرب تعالى بالشكر إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
[١٧٣] ولا تقولوا لكل نعمة من أنعم الله هذا حرام بدون علم إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذبح على الأصنام تقرُّبا لها. ومع أن هذه أمور محرمة إلا أنها سوف تحلل في ظروف معينة.
فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إن من يصيبه ضرر كبير بامتناعه عن كل هذه المحرمات لا إثم عليه، بشرط: أن يبقى ملتزما نفسيًّا بحرمتها، فلا يحب أكلها (ولا يبغيها)، وبشرط: ألَّا يتجاوز أكله لها حدود الاضطرار، فيأكل بقدر ما يدفع عن نفسه الضرر الكبير فقط.
جزاء كتمان الحق
[١٧٤] هذه هي محرمات الدين في الأكل .. انظر كيف وسَّعها اليهود حتى كادوا أن يحرموا كل شيء، ثم كتموا حكم الله في الأكل بغيا واتباعا لمصالحهم إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ إذ سوف يكتشفون غدا (بعد الموت أو حتى قبله) أن اللقيمات القليلة التي أكلوها تحولت إلى