من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - الإنفاق في سبيل الله
الشهرة والسمعة، والنتائج العاجلة، فسعيه يكون للدنيا وحدها .. دون أن تدخل فيه حسابات الآخرة .. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً الصفوان: الحجر الأملس المستوي، والوابل: المطر شديد الوقع، والصلد: الصخرة الملساء التي لا تنبت شيئا، لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا لأنهم أبطلوا استثمارهم، ولم يبق لديهم شيء في بورصة الآخرة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بل تتحول قلوبهم كتلك الصخرة الصماء، لا تزرع فيها الهداية، لأنها- أساسا- لا تطلب الهداية، بل تعشق السلطة والسيطرة والتكبر على الناس.
[٢٦٥] وهناك مثل آخر، يعاكس هذا المثل تماما، إنه مثل المؤمنين المخلصين لله في إنفاقهم: إنهم سوف يحصلون على ثلاث فوائد
الأولى: اكتساب مرضاة الله.
الثانية: تزكية أنفسهم وتربيتها على التقوى والعطاء.
الثالثة: جني ثمار العطاء في شكل ثواب عظيم في الدنيا وفي الآخرة.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ لأن الإيمان، كأية موهبة أخرى، تزداد كلما استفاد الإنسان منها، كالإرادة تقوى كلما تحدت الصعاب، والمعرفة تزداد كلما انتفع بها صاحبها في العمل، والحب ينمو كلما اهتم به صاحبه، وهكذا الإيمان يثبته العمل الصالح وينميه كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ فهي جنة أساسا .. لا مجرد صخور، كذلك قلب المؤمن، أرض قابلة للزراعة، أَصَابَهَا وَابِلٌ عن طريق العمل الصالح المركز .. كالإنفاق في الظروف الحرجة، حيث إنه سوف يضاعف من قوة الإيمان، وثباته في النفس فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ إذ أن طبيعة الجنة، أنها تستدر الرطوبة وتكثفها في الفضاء، فلابد أن يصيبها طل (مطر خفيف)، أو رطوبة مفيدة، كذلك القلب المؤمن حتى ولو لم يواجه بنجاح تحديات خطيرة (كالإنفاق في المجاعة) فإنه سوف يمارس الأعمال الصالحة اليومية، مما يحافظ على إيمانه وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا تفكروا في الناس ولا تراؤوهم، كفى بالله رقيبا على أعمالكم، وكفى به مثيبا.
[٢٦٦] ويضرب الله: مثلا رائعا لما يصيب الإنسان من خيبة أمل بسبب إحباط أعماله، يوم يحتاج إلى الجزاء، فيكتشف أن لذة الشهرة أو السيطرة التي أرادها من عمله فأتبعه بالمن والأذى، قد ذهبت بخيراته، وأصبحت هباء منثورا، يقول ربنا أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ