من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - الحاكمية الإلهية
أمروا بالقتال فتولوا
[٢٤٦] أُخرجوا من بلادهم ظلما وعدوانا وطالبوا نبيهم، بأن يختار الله لهم قائدا يحاربون أعداءهم تحت لوائه .. ولكن حين بعث الله لهم قائدا وجدّ الجِد نكصوا على أعقابهم. إنهم مَثَلٌ لعدم الإيمان الحقيقي وبالتالي فصل دين الله عن الحياة، وفصل الدين عن السياسة ورجال الله عن أمور الدنيا ..
إن الدين الذي يريده الله هو دين الحياة، وإن الإيمان الذي يطالب به العباد، هو الإيمان بالله المدبر للكون، المطاع بلا شريك في الحياة، وهذا الإيمان كان مفقودا عند هذه الطائفة لذلك فشلوا في الامتحان. وقال عنهم ربنا أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى الذي كان قائدهم المطاع والذي أنقذهم الله به من بطش فرعون. إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولكن النبي كان يعرف مستوى إيمانهم الضحل ولذلك قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا
فكيف لا نقاتل هل هذا معقول؟
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ كان يعرفهم قبل أن يكتب عليهم القتال، ويتولوا، ولكنه امتحنهم ليعرفوا أنفسهم، وليتم عليهم الحجة، ولعل الناس يعتبرون بقصتهم.
إن هؤلاء يمثلون فريقا من الناس يؤمنون بالله إيمانا ظاهرا وسطحيًّا، فإذا مُحِّصُوا بالبلاء كفروا بالله، إذ أنهم- منذ البداية- كانوا يزعمون: أن الله محصور في المسجد وبعض الصلوات والابتهالات، ومن ثم، بعض التعاليم الخلقية، أما الله الذي يأمر بالقتال، وبطاعة رجال معينين لا يملكون كفاءة القيادة حسب تصورهم الباطل .. فإنهم يكفرون به ..
[٢٤٧] وقصة هؤلاء بالتالي، هي قصة المؤمن الذي لم يُذِبْ نفسه كاملة في بوتقة الإيمان، ولم يُسْلِم نفسه لله. ولا تزال رواسب الجاهلية وقيمها تتحكم فيه، لنستمع إلى القصة ونعتبر منها لأنفسنا وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً فإذا بهم يجن جنونهم، لماذا طالوت وليس فلاناً أو فلاناً .. قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ لأننا أكثر أموالا منه، والملك يجب أن يكون غنيًّا وليس طالوت كذلك. وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ فأجابهم النبي: بأن قيادة الحرب لا تحتاج إلى مال، بل إلى كفاءة