من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - القرآن الحكيم وإثبات معانيه
في مقابل الجائر الذي يعني المائل، فالقصد هو المستقيم، والجائر هو الظالم فالقصد هو العادل.
أو إذا أردنا التعرف على معنى (نفش) في هذه الآية وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [١]، لو أردنا ذلك لم يكن علينا إلا قياس كلمة نفشت بالحرث والغنم والحكم. لنعرف أن المراد منه هو إتلاف الحرث، وهكذا.
وقد جاء رجل إلى صحابي فسأله عن معنى (الأب) الذي جاء في الآية الكريمة، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (٣١) مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ [٢]، فلم يعرفه. فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام مقاله، وفي ذلك قال
[يَا سُبْحَانَ الله أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْأَبَّ هُوَ الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى!. وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى
وَفَاكِهَةً وَأَبّاً
اعْتِدَادٌ مِنَ الله تَعَالَى بِإِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا غَذَّاهُمْ بِهِ وَخَلَقَهُ لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ مِمَّا يَحْيَا بِهِ أَنْفُسُهُمْ وَ تَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُمْ ...] [٣].
جيم: التفسير
معرفة الإطار التاريخي الذي شاهد نزول الوحي، ومعرفة المورد الخاص الذي نزلت فيه، والموقف الاجتماعي الذي وجهته الآية لها أثر كبير في تفهم المعنى الدقيق للآية.
ومعرفة تفاسير أئمة الوحي عليهم السلام للآية قاطعة في معانيها. بيد أن تفاسير الأئمة عليهم السلام قد تختلف بينها أو تبين تطبيقا واحدا للآية. وهنا لابد أن نتخذ منها سبيلا لفهم المعنى العام الذي يحل مشكلة الاختلاف- من جهة- ويعطي الآية تطبيقات أشمل من جهة ثانية. ولذلك يجب ألَّا نجمد في النصوص الواردة في تفسير الآيات على أنها المعاني الوحيدة التي تحملها، بل نتخذ منها وسيلة لفهم المعنى الأشمل للآية. وندرس كيف ولماذا انطبقت الآية على المورد الذي يعينه التفسير لنعرف أنه هل يمكن تطبيق الآية أيضا على موارد متشابه أم لا؟.
فمثلا جاء في بعض النصوص التفسيرية أن الآية الكريمة إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [٤] نزلت في حق عمار بن ياسر [٥]، حسناً فهل من الممكن تجميد الآية في عمار؟ كلا. بل يجب أن نفكر كيف جاءت الآية تطبيقا على حالة عمار، أليس لأنه كان قد أُكره
[١] الانبياء: ٧٨.
[٢] عبس: ٣٢ ٣١.
[٣] بحار الانوار: ج ٤٠، ص ٢٤٧.
[٤] النحل: ١٠٦.
[٥] راجع: بحار الانوار: ج ٢٢، ص ٣٢٣، الدر المنثور: ج ٤ ص ١٣٢، تفسير نور الثقلين: ج ٣، ص ٩٠.