من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - دور رسالات الله في بناء الحضارات
بالعودة إلى فلسطين والاستقرار في المدن، لم يكن في صالحهم ذلك إذ إن آثار العبودية والتي منها الاختلافات المتجذرة في نفوسهم، كانت تهددهم بالانحراف مرة أخرى وتحطيم حضارتهم.
بيد أنهم أصروا على ذلك فلما (هبطوا مصرا) عادت إليهم سلبيات الحضارة كما يحدثنا عنها القرآن وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ فهبطوا مصرا من الأمصار وشاعت في أنفسهم صفات الجبن واللاثقة والفردية، وفقدوا الروح العسكرية التي اكتسبوها في الصحراء وكانت النتيجة وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ، ومع العبودية السياسية تأتي العبودية الاقتصادية. إذ لا يستعبد الطغاة الناس إلا لكي يستثمروا طاقاتهم، ويستفيدوا من خيراتهم. فضربت عليهم المسكنة أيضا وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ حتى كادوا يفقدوا قوتهم اليومي. ولكن لماذا؟ لأنهم كفروا بمنهج الله في الحياة وتركوا الالتفاف حول رسالتهم، والانتماء إليها، دون الانتماء إلى العنصريات المقيتة، وتركوا الاهتمام بتعاليم الدين في العمل الصالح والتعاون عليه، والجهاد من أجل الدين.
وزادوا ضعفا واستسلاما حين حوَّلوا عنفهم إلى الداخل، فأخذوا يصفُّون العناصر الخيرة فيهم، ويقتلون الأنبياء لأنهم يأمرونهم بالعودة إلى رسالتهم.
ولم يكونوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين لو لم يعصوا الله سبحانه منذ البدء، في تنفيذ تعاليمه. إذ إن العصيان لابد أن ينتهي بالكفر، كما أن الاعتداءات البسيطة ضد بعضهم تعاظمت حتى اعتدوا على المصلحين الكبار في مجتمعهم وهم الأنبياء عليهم السلام. يقول الله سبحانه ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ إن كل أمة تنتهي بانتشار روح العصيان والاعتداء فيها، إذ تنمو هذه الروح الخبيثة حتى تقضي على قيم الأمة وعلى الصفوة الصالحة فيها. وماذا تبقى من الأمة لو انتهت قيمها ورجالها الصالحون؟
وكلمة أخيرة: إن تعبير القرآن في هذه الآيات يوحي إلينا بأن الله هو مصدر كل نعمة ظاهرة وباطنة، وهو كذلك مصدر الوحي. وعلينا أن نقبل بهما معا (النعم والوحي) ولا يمكن أن نقبل بواحدة دون أخرى.
[٦٢] كيف اعتدى هؤلاء على بعضهم؟ وعصوا ربهم في ظلم بعضهم، وبالتالي في الكفر بالله وقتل أنبياء الله؟ إنهم حتى الأمس القريب كانوا أمة صالحة؟