من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٥ - الحمد مجمل معارف القرآن
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي نعبدك وحدك ونستعين بك وحدك. وهذه الفكرة ذات اتجاهين (إيجابا وسلبا).
الأول: إننا نتوسل بالله ونوثِّق معه علاقاتنا ومن أبرزها الاهتداء إلى تنفيذ أوامره وتنفيذها، مما يساعدنا على تجاوز كل محنة وتحقيق التطلعات.
الثاني: إننا لا نتوسل بغير الله، حتى لا نصبح اتكاليين وذيولا لآخرين تُفرض علينا وصايتهم، وبالتالي يستعبدوننا. وعندما نتعمق قليلا في معنى هذه الآية نجدها تلخص فلسفة الحرية الإنسانية بصورة متينة. مادام لله الأسماء الحسنى والتي منها ضمان حرية الإنسان دعنا نترك إذن الأصنام التي تعبد من دون الله لأنها لا تتصف بشيء من تلك الصفات، فلا هي رب ولا رحمن ولا تملك جزاء.
التصميم على الهداية
[٦] وحين نترك الأصنام الصامتة (كالحجارة) أو الناطقة (كالذين يعبدون من دون الله) آنئذ نكون على الصراط المستقيم.
ولكن ليس بهذه السهولة نستطيع أن نحقق الاستقامة، لأن التخلص من الأصنام مهمة صعبة للغاية. وعلى الإنسان أن يضع أمامه هدفا صعبا ليحققه في الحياة هو (الاستقامة) ويسعى من أجل تحقيقه بجد ومثابرة، وذلك عبر ثلاث مراحل
المرحلة الأولى: التصميم على الاستقامة. ولن يكون التصميم على الاستقامة جادّاً إلا إذا عرف الإنسان أن في الحياة طرقا شتى لا تؤدي به إلى أهدافه المنشودة. وأن هناك طريقا واحدا فقط هو الذي يوصله إليها. وعرف أن التعرف على هذا الطريق والسير فيه هو من واجباته التي عليه أن يسعى لتأديتها، وليست من نعم الله الطبيعية عليه، ليست مثلا كنعمة البصر، حيث يولد الطفل بصيرا. ولهذا فإننا ندعو الله أن يمنحنا الاستقامة ونقول اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وهذا الدعاء دليل على أن الله لا يمنح الاستقامة إلا لمن يطلبها منه.
[٧] وقد لا تكون الاستقامة أبدية، إذ إن عواصف الشهوات وأمواج الضغوط الاجتماعية والحواجز النفسية، ووساوس الشيطان، تلعب بقلب الإنسان كما تلعب الأعاصير بريشة طائرة. من هنا على الإنسان أن ينتظر نعمة الله حتى تظل الاستقامة دائمة ومن هنا قال الله صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي بنعمة الهداية التي تؤدي طبيعيًّا إلى الانتفاع بسائر نعم الله. وما دامت الاستقامة نعمة توهب وقد لا توهب للإنسان، فعليه أن يظل يقظا كلما أبعدته