من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٨ - حقائق القرآن بين حق التأويل وفتنة الباطل
وبالرغم من أن السبب واحد، إلا أنه يتدرج في مراحل، ابتداءً من الزيغ في القلب، وانتهاءً بالكفر ومرورا بالتكذيب.
ألف: أما عن الزيغ فقال ربنا فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ
ما هو الزيغ؟
الزيغ هو: الانحراف والانصراف عن الحق. ويُعتقد أن القرآن يفسر الخطأ الإنساني تفسيرا نفسيًّا فلا يخطأ الإنسان إلا بسبب انحراف في نفسه من عقدة الضعة، أو ترسب الأفكار الوراثية، أو الاستسلام لأفكار المجتمع أو الجماعة التي ينتمي إليها، أو الخضوع لضغوط الشهوة، أو التسرع في إصدار الحكم بهدف الراحة أو بسبب توتر النفس.
وحين تنتهي مشكلة الإنسان النفسية بتنمية إرادته ومقاومة الضغوط، فإن العقل ينطلق للبحث السليم وسيصل- بالطبع- إلى المعرفة.
وقد يطرح سؤال: كيف تكون المشكلة العقلية مرتبطة بالمشكلة النفسية، علما بأن وعي الإنسان قادر على أن يكون حاجزا يقف أمام خلط أحكام النفس وأمانيها، مع بصائر العقل وأفكاره؟
الجواب: إن محيط النفس والعقل هو محيط واحد، وحين تهوى النفس شيئا فإنها تقوم بالتسويل للعقل، والتزيين له، حتى تحجبه عن الرؤية تماما، خصوصا إذا استجابت إرادة الإنسان (وهي القوة الحاسمة عند الإنسان، التي تختار العقل أو الهوى) للنفس، فإنها تحاول القيام بعملية خداع ذاتي، وأكثر ما يقع الناس في الخطأ هو بسبب الخداع الذاتي. حيث يصعب عليهم أو يستحيل في بعض المراحل تمييز بصائر العقل وأفكاره عن أهواء النفس وأمنياتها.
من هنا تكون التربية النفسية طريقا لتحرير العقل من أغلالها. أما إذا انحرفت النفس فإن العقل سيتأثر سلبيًّا. من هنا اعتبرت الآية الكريمة زيغ النفس وانحرافها سببا لتأويل الباطل وحذَّرت من أي نوع من الزيغ.
التأويل
بعد وجود الزيغ في القلب تبدأ عملية التأويل، وهي تطبيق القيم العقلية والرسالية على أهواء الذات، فمثلا: يتم تطبيق قيم العدالة والمساواة على هوى الذات. كيف؟ يقول من