من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - الفتنة أكبر من القتل
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ أي دون أن يواجهكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ البأساء هي الصعوبات التي منشؤها العدو، والضراء الصعوبات المادية كالفقر والمرض [١].
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ لهول الصعوبات والخسارة، كانوا يستعجلون نصر الله، وعندما تصل الصعوبة إلى ذروتها يجب أن نأمل الفرج.
أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ وهذه الآية تعني أن الذين يحلمون بالجنة مجانا وبلا ثمن إنما يحلمون باطلا وسيجدون أنفسهم في النار.
الجنة ليست مربض الأغنام، إنها مقام الرجال ومكتسب الأبطال. وعهود التخلف والابتعاد عن صلابة الرسالة وخشونتها هي المسؤولة عن هذه النظرة اللامسؤولة إلى الجنة، ولهؤلاء يقول الإمام علي عليه السلام
[هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللهُ عَنْ جَنَّتِهِ وَلَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِه] [٢].
الإنفاق سبيل التضحية
[٢١٥] كما في الحرب، هناك في السلم فتنة وبلاء يتمثل في ضرورة الإنفاق والإنفاق هو الإعداد النفسي الخارجي للحرب، وهنا يشير القرآن إلى الجانب النفسي من الإنفاق إذ يجب أن يكون خالصا لله، حتى يربي صاحبه على العطاء والتضحية، ذلك أن التضحية، كأية صفة نفسية أخرى، تحتاج إلى التدريب، فهي تنمو شيئا فشيئا ابتداء من التضحية بالمال القليل، ثم المال الكثير، ثم القتال والصمود وهكذا، لذا يحدِّد القرآن هنا جهة الإنفاق، لعلاقته الوثيقة بالتضحية بالنفس، وقلما تحدث القرآن عن التضحية بالنفس دون أن يقرنها بالتضحية بالمال.
والسؤال عن مادة الإنفاق، أَجْمَلَ الجواب فيه بعنوان جامع بمطلق الخير، وفصّل عن جهة الانفاق لأنه السؤال الحكيم.
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ فكل خير يمكن إنفاقه، ولكن علينا أولا أن نحدد وجهته وهي: ابتغاء مرضاة الله بعيدا عن الأهداف المادية أو الرياء، والله عليم، وهذا مدعاة للإخلاص والاستزادة في الخير. وثانيا جهة الانفاق ومن يُنفق عليه، إذ إن من صلاح العمل أن يكون مناسبا ونافعا فيكون مرضيا من الرب. وقدم الوالدين ثم
[١] راجع مجمع البيان: ج ١، ص ٣٩٩.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ١٢٩.