من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٤ - دور رسالات الله في بناء الحضارات
طاقاتهم، وقادهم عبر البحر إلى جزيرة سيناء، ثم قصدوا فلسطين من بعده. هكذا استطاع الإنسان أن ينتصر على المستغلين والطواغيت بفضل الرسالة الإلهية.
ويذكِّر القرآن بني إسرائيل بهذه القصة، ليقول لهم: إنهم لو تركوا رسالة الله، لعادوا مرة أخرى، أمة مستضعفة محرومة. وهكذا يذكر الأمة الإسلامية بهذه الحقيقة أيضا، وهي: أن التمسك بالهدى الذي أنزله الله، والتمحور حوله، هو الكفيل بضمان استقلالهم وحريتهم .. يقول الله سبحانه وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي يذيقونكم عذابا أليما يتمثل فيما يلي يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إنهم كانوا يقتلون أبناء النساء الخادمات لكيلا تنشغل النساء عن خدمتهم، أو هو إشارة لذبح المولودين حديثا حين تنبأ الكهان بمولد الكليم عليه السلام، حيث أنجى الله موسى عليه السلام. أو كانوا يفعلون ما هو أعظم وأشد ضررا على كرامة الإنسان.
وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ إنه شر عظيم، ولكنه- بالرغم من ذلك- اختبار (بلاء) يمكن أن يتمخض عن إرادة قوية في التحدي والصمود، وبالتالي في التحرر الحقيقي.
[٥٠] ولكن لم يستطع بنو إسرائيل الخلاص من كل تلك المأساة إلا بفضل الرسالة الإلهية، إذ جاءت، ووحدتهم، وأنقذتهم من ويلات الطغاة وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ وكم هي رائعة أن ينظر المحروم إلى جلاده: تتقاذفه أمواج البحر، جزاء على جرائمه.
[٥١] الطاغوت انتهى ولكن آثار سيطرته لم تزل كامنة في النفوس، وبارزة في التصرفات، متمثلة في حالة الاستسلام والهزيمة النفسية والتعوُّد على الخضوع. من هنا تركهم قائدهم ومنقذهم عدة أيام، فلما عاد إليهم فإذا بهم يسجدون للعجل، لأنهم لا يزالون عبيدا في نفوسهم بالرغم من تحررهم الظاهر. هؤلاء كانوا بحاجة إلى ثورة ثقافية قوية تحرر نفوسهم من الذل والخنوع. كما كانوا بحاجة إلى ثورة اجتماعية تخلصهم من عبودية الرأسمالية العفنة التي كانت مرتبطة بنظام فرعون الطاغوتي. وكانوا أيضا بحاجة إلى ثورة علمية ترفعهم عن حضيض الماديات إلى عالم التوحيد الخالص. ثم إنهم يحتاجون إلى ثورة عمرانية تهديهم إلى بناء المدن وزراعة الأرض.
وفيما يلي نجد كيف أن رسالة الله فجَّرت هذه الثورات في واقع بني إسرائيل حتى استطاعوا بناء أمة مجيدة.
ألف: ذهب موسى إلى طور سيناء، ليتلقى الوحي فلما عاد وجد قومه في نكسة جاهلية