من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٢ - الجماهير بين تقديس الذوات وبصائر القرآن
التمسك ببعضهم دون البعض الآخر ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيختار من عباده، من يرى فيه صلاحية الاختيار. ولا يختار رسله من عنصر معين أنى كانوا.
في رحاب الاختيار
[٣٥] ولنستمع إلى قصة واحدة لهذا الاختيار، ولتبدأ القصة من هناك، من داخل القلب الطاهر والنية الصادقة والإيمان التائب إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إنها كانت كأية امرأة أخرى، حملت بجنين، وأخذت تفكر في مصير الجنين الجديد. لم تفكر في أن يصبح رجلا ثريًّا، أو ملكا كبيراً، أو عالماً، أو طبيباً، أو مهندساً أو ما أشبه. ولم تحلم بأيامها معه في المستقبل، حيث يساعدها على مشاكل الحياة حين تضعف مقاومتها للمشاكل. كلا لم تفكر امرأة عمران بهذه الأحلام المادية، بل فكرت في رسالة الإنسان في الحياة، وهي عبادة الله، والعمل في سبيله، فنذرت أن تجند ابنها لهذه الغاية، وتحرره من أية روابط اجتماعية، أخرى، حتى يتفرغ في سبيل الله، ثم تضرعت إلى الله أن يتقبله بفضله.
[٣٦] وكانت هذه أمنية امرأة عمران طوال فترة الحمل، حتى إذا وضعت أنثى صعقت، وكأن آمالها قد خابت، حيث زعمت أن الأنثى لا تستطيع أن تتفرغ للعمل الجهادي في سبيل الله فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ فهي ليست أنثى كأية أنثى. إنها صدِّيقة تكونت في رحم امرأة عمران المؤمنة الصادقة، ونمت فيها روح الرسالة بسبب إيمان أمها، وعملها الصادق أيام حملها لها ولكن امرأة عمران قالت وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
آثار التربية على نمو الطفل
[٣٧] وكان لهذا الإيمان الصادق أثر في مستقبل مريم .. ذلك لأن إيمان الأم، وتربيتها، يؤثران إيجابيًّا في تنمية فطرة الإيمان في الوليد. وقد رأينا كيف أن امرأة عمران، تضرعت إلى الله بأن يعيذها من الشيطان، وتعني ضراعتها أنها أخذت تعمل من أجل هذه الغاية أيضا، إذ الدعاء هو قمة العمل الجهادي عند المؤمنين وليس أبدا بديلا عن العمل. من هنا كان للدعاء والعمل أثر إيجابي كبير على مستقبل مريم فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا إن الإيمان كسكة الحديد لو وضع قطار عليها. ساعدت على استقامته وتقدمه.