من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - القرآن الحكيم وبناء الحكمة
وفي الآية التالية جمع القران بين السُّنَّة والحكمة والوصية، بينما ذَكَّر فيما سبق بأسماء الله الحسنى، ولم يذكر ربنا سبحانه الأحكام الفرعية للوصيّة ربما لأنها مُفصَّلة، قال الله تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً [١].
هنا نجد البصائر الثلاث
١- السنة الإلهية نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ.
٢- الحكمة إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً.
٣- الوصية وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.
أما الحديث عن أسماء الله الحسنى فقد جاء في الآية السابقة عليها في قوله سبحانه إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. وفي آية كريمة أخرى نجد فقط الحكمة والوصية، لأنَّ غيرهما قد ذُكِرَ ربما في هذا السياق أو في مواضع أخرى، قال ربنا سبحانه وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [٢]. فقد ذكَّرنا ربُّنا بالوصيّة، وشَفَّعها بحكمتها.
أما الآية التالية فقد بَيَّنت الوصيَّة وحدها، لأنَّ حكمتها بَيِّنَة أو مذكورة في آيات أخرى، قال ربنا سبحانه وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً [٣].
وعندما حدَّد السياق العلاقات الاقتصادية بين أبناء المجتمع وأوصى باحترام حقوق الضعفاء المالية (مثل مال اليتيم)، وبالوفاء بالعهد (ولعل من أبرز مصاديقه العقود)، وبإيفاء الكيل، ثم بَيَّن حكمة هذه الوصايا جميعا (فيما يبدو لي) والتي تتمثل في أنها عمل صالح ذات عاقبة حسنى فقال سبحانه وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [٤].
وفيما يرتبط بأعراض الناس، وما يُفرِّق بينهم من نميمة أو غيبة فتهدم بنيانهم، يوصي ربُّنا عباده بتحرّي الحقائق، ويذكِّر بالسُنَّة الإلهية التي هي المسؤولية، حتى عن مواقف الإنسان
[١] الاسراء: ٣١.
[٢] الاسراء: ٣٢.
[٣] الاسراء: ٣٣.
[٤] الاسراء: ٣٥ ٣٤.