من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - القرآن الحكيم وبناء الحكمة
البصيرة نستذكرجملةً من الحقائق
أوّلًا: النّظام المعرفي القرآني شديد المتانة، وهو ينطلق من حقيقة واحدة لاتَني تتوسَّع حتى تصبح شاملةً لكلِّ الموضوعات، فقد قال سبحانه أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [١].
ثانيًا: كما بَيَّن القرآن والحديث أصول الشريعة، كذلك بَيَّنا- بوفرةٍ كافيةٍ- الأحكام المتفرِّعة عنها، وهكذا زَخَرت كتب الحديث بآلاف الأحاديث التي بيَّنت تفاصيل الأحكام.
ثالثًا: إنّ الأحكام التي تتناول الفروع تتَّصل بالأصول، وهي مستوحاة منها، إلّا أنّ علاقة الأحكام بأصولها لم يُصرَّح بها إلّا يسيراً. ولعلَّ السبب يعود إلى أنّ الأحاديث كانت في البدء على شكل دروس متّصلة الحلقات، ثم- وفي عهدٍ لاحقٍ- جُزِّأت وقُسِّمت حسب الموضوعات المختلفة، ثم دُوِّنَت في مجاميع للحديث، فربما كانت أصولها مذكورة في بداية كلِّ درس ثم حُذِفَت عند التجزأة، أو أنّ النّبي وأهل بيته المعصومين (عليه وعليهم صلوات الله تعالى) لاحظوا المستوى العلمي للمحيطين بهم فلم يفصِّلوا القول دائماً عن حِكَم الأحكام وعلل الشرائع.
رابعًا: حينما نتلقّى من الوحي أصلًا شرعيًّا عامًّا، فإنّنا بحاجة إلى أمثلة واقعيّة تزيده وضوحاً، وكلّما ازدادت تلك الأمثلة- التي هي تجليات لذلك الأصل وتطبيقات له- كلّما إزداد ذلك الأصل وضوحاً. ومن هنا نجد القرآن الكريم يضرب الأمثال للحقائق التي يُذكِّر بها.
خامسًا: بالرغم من عدم ذكر الأصول عند ذكر كثير من الأحكام الواردة في الأحاديث الشريفة، إلّا أن الكثير منها قابلة لجعلها تطبيقات لتلك الأصول، لما فيها من إشارات واضحة أو مناسبةٍ بين الحكم والموضوع .. مناسبةٍ تورث يقيناً.
إنّ رد هذه الأحكام الفرعيّة إلى تلك الأصول يجعلهما أشدُّ وضوحاً، وأكثر شفافيّة.
سادسًا: بالتدبّر في آيات الأحكام في كتاب الله المجيد، وما فيها من بيان لحكمة تشريعها، ومع التدبّر في محكمات الكتاب وما فيها من أمثلة واضحة تُعتَبر تطبيقات لها، وبالدراية للأحاديث التي تناولت الأحكام مع التصريح بحكمتها وعلّتها، ثم إضافة هذه الثروة العلمية
[١] ابراهيم: ٢٥ ٢٤.