من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٤ - وبشر الصابرين
المحيطة به لا تمت له بصلة، بل هي فضل من الله تبارك وتعالى يؤتيها من يشاء ويسلبها ممن يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء.
فالشكر عنوان الوعي، والشكر لله إذا ما قسمناه وحللناه نجده مبنياً على أساس معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية. فمن يدرك منّا أنّه لم يكن ثم كان، سيتّضح لديه أكثر بأن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليه بنعمة الوجود. وفي المقابل الشيطان من طبيعته أن يوسوس ويثير ويشعل نار الحقد والعصبية والأنانية في قلب من لم يتوصل إلى معرفة حقيقته العدمية تجاه من يتمتع ببعض النعم، وإن كان مطمئناً ومتأكداً من عدم ديمومتها. ولذلك فهو يعيش واقع الجهل المركّب، حيث يورط نفسه في العذاب النفسي دون شعوره بذلك، أو أنّه يشعر به ولكنه لا يتصور تأثيراته عليه. في حين أنّ الإنسان المطمئن السوي العالم بحكمة ربّه في تقدير أرزاق الخلائق، الحكيم في نظرته الى الوجود، تراه متطلعاً إلى ما عند الله لا إلى ما يتمتع به الآخرون، لأنه حينما يشكر إنما بنى شكره هذا على تذكر نعم الله عليه فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ أي لا تكفروا بي وبنعمتي.
بماذا نستعين؟
[١٥٣] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
الفكرة الحضارية أو الرسالة هي نواة تكوين الأمة، ومسؤولية الأمة تجاه هذه الفكرة هو التذكر والشكر، ولكن الأمة بحاجة إلى طائفة من الصفات الضرورية وأبرزها الاستعانة بالصبر والصلاة، تلك الاستعانة التي أمر الله بني إسرائيل بها حين أمرهم بالواجبات الصعبة.
والصلاة هي الانقطاع عن الحياة، والتوجه إلى الله، بحيث لا يتكل الإنسان على أي شيء في الدنيا، بل على الله والعمل الصالح، وأية أمة أرادت أن تتقدم فعليها أن تستمد القوة من الله، من الإيمان به، والعمل بتعاليمه، والاستفادة من نعمه على الإنسان. ومن دون هذا الانقطاع تفقد الأمة تعاليم رسالتها، وقواها الذاتية، وتتكل على القوى الخارجية، وتكتب بذلك نهايتها المحتومة.
والصبر هو التطلع إلى المستقبل والتضحية ببعض النعم في الحاضر من أجل تحقيق أفضل منها في المستقبل، ومن هنا فمن دون رؤية المستقبل والتطلع إلى تحقيقه لا تتقدم الأمة، إذ التقدم بحاجة إلى (استثمار) بعض الطاقات في (سوق الزمان) حتى يحصل الربح في المستقبل.
الفلاح يدفن تحت الأرض رزقه من الحبوب، ويبذل عليه جهده، ويتطلع إلى المستقبل