من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - الصوم فلسفته وأحكامه
البدء عظيما، ولكنه بعد أن يعزم عليه، يصبح سهلا وخفيفا، ولذلك كان من أفضل وسائل التغلب على الحياة تهوينها، والاستهانة بصعوباتها. وهكذا يصور لنا القرآن الصيام أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وهناك يُسرٌ في أداء واجب الصيام، مثل تغيير موعد الصيام للمسافر والمريض فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يصومها عن كل الأيام التي لم يصمها لمرض أو سفر. ومن التيسير إلغاء الصيام اختيارا عن كل من لا يطيق الصيام. أي يجهده، ويستنفذ كل طاقته، كضعيف البنية والشيخ الكبير آنئذ يستطيع ان يصوم أو أن يبدِّل الصوم بالفدية بإطعام مسكين واحد عن كل يوم يفطر فيه وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً وصام بالرغم من المشقة عليه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ بشرط ألَّا يسبب له ضررا كبيرا بل مجرد مشقة وحرج وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ لأنه يزكِّي نفوسكم، ويربي إرادتكم، ويهيئ لكم عند الله جزاء حسنا.
لماذا رمضان؟
[١٨٥] ولابد أن يقع الصيام في شهر رمضان بالذات، لماذا؟ أوَلَيس هناك شهر آخر أفضل منه؟
كلا .. فهو شهر يحمل معه ذكرى من أهم ذكريات الأمة، إنها ذكرى ليلة القدر حيث نزل فيها القرآن، كتاب الله الكريم شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ بصائر ورؤى لأنفسهم في الحياة وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى تفاصيل التشريع الإسلامي والْفُرْقَانِ؛ ففي القرآن قيم ومقاييس يميز بها الحق عن الباطل. فرمضان إذن اجدر الشهور بالصيام فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أي من كان في هذا الشهر حاضرا في بلده أو محل إقامته فعليه أن يصوم، وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ولا يجوز له ان يصوم في حالة المرض أو السفر، ذلك لأن الله يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وعلى الإنسان أن يستجيب لإرادة الله، ولا يوقع نفسه في الأعمال العسيرة ومنها الصيام في المرض أو السفر، فالله تعالى هو مصدر التشريع، وهو العالم بصالح الإنسان وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ كل يوم يفوتكم من الصيام تصومون مثله من أيام أُخَر وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وتجعلوا تعظيمكم لله وانتماءكم إليه أقوى من تعظيمكم لأي شيء آخر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعم الله عليكم من خلال الصيام.
إن ترويض النفس يساعد على تنمية الإيمان بالله، لأن شهوات الدنيا هي أكبر حاجب بين عقل الإنسان ومعرفة الله، وعن طريق الصيام يتم خرق هذا الحجاب (ولو بصورة مؤقتة)