من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٨ - إبراهيم عليه السلام رمز الوحدة
وإبراهيم عليه السلام الجد الأعلى لقسم كبير من العرب ومن ثم رمز الوحدة بين الناس .. من هنا جاء الأمر الإلهي بتقديس مقام إبراهيمعليه السلام وهو الحجر الوحيد الذي أُعطي له قيمة بعد الحجر الأسود، وقال الله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى أي اجعلوا صلاتكم عند مقام إبراهيمعليه السلام. بشرط أن تكون الصلاة لله .. ولكن مع تذكر فضل إبراهيم عليه السلام عليكم حيث أصبح وسيلة لهداية الله لكم.
الإسلام لا يقدس شيئا من دون الله ولكنه يعطي لكثير من الأشياء أو الأشخاص قيمة التوسط بين العباد وبين فضل الله، فالغني المنفق في سبيل الله واسطة لبلوغ نعمة الله (وهو المال إلى الفقير) ويجب أن يشكر الفقير ربه قبل كل شيء والأمر بالخير والداعي إلى الله واسطة في هداية الناس، والأنبياءعليه السلام هم وسائل يهدي بهم الله عباده صراطا مستقيما. وحين نشكرهم أو نقدرهم، فذلك الشكر ليس شكرا ذاتيًّا ولا تقديرا ألوهيًّا، بل شكرا وتقديرا يسبقه شكرنا لله وتقديسنا له.
ومقام إبراهيمعليه السلام من ذلك النوع حيث إننا لا نقدسه بل نقف نصلي لله عنده تقديرا لمقام إبراهيمعليه السلام ولإبراهيمعليه السلام نفسه.
وما لبث أن ذكرنا القرآن الحكيم بهذه الحقيقة حيث نبهنا إلى أن إبراهيمعليه السلام أمر بأن يطهر بيت الله من الأصنام فكيف يمكن أن يتخذ مقامه صنما يعبد من دون الله وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي من كل دنس ظاهر أو باطن، وأعدُّوه .. لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ إذن ما نجده في البيت من وسائل الراحة والأمن فإنما هي لتحقيق هدف البيت من الطواف والاعتكاف والركوع والسجود وليست إكراما لعين ذرية إبراهيم الشرفاء.
[١٢٦] ويدل على ذلك أن إبراهيم عليه السلام دعا الله سبحانه أن يحدد نعمه في الصالحين فقط، لأنه تصور أن نعم الله في الدنيا دليل على حب الله وتقديره لصاحبها ولكن الله أبى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إذن النار تنتظر الكفار من ولد إبراهيم عليه السلام بالرغم من الثراء والأمن والسيادة التي يتمتعون بها الآن .. لأن كل هذه النعم اختبارات يتعرضون لها لتجربة مدى صمودهم أمام ضغط الانحرافات التحريفية.
[١٢٧] كان البيت موجوداً وجاء إبراهيمعليه السلام ليرفع عليه البناء ولكنه أمتزج بروح التوحيد والامتثال إلى الله، ولم يكن بناء من أجل التفاخر أو الرئاسة أو بلوغ الشهوات [كما تصوره ذرية إبراهيمعليه السلام وسدنة البيت الحرام من قريش].
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وهم يرددون هذا الابتهال رَبَّنَا تَقَبَّلْ