من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - التدبر والسياق الموضوعي للسورة
حسب ما تقتضيه الحقائق الواقعيّة في الخارج وفائدته الحديث عما هو موجود، دون الأمور الفرضية.
إن التفكير السليم يجمع بين الاثنين؛ فبدءاً يقسِّم تقسيمات رياضية، ثم يحاول أن يجد لهذه التقسيمات الرياضية أنواعًا وأفرادًا في الواقع الخارجي، فإن لم يجد نوعًا منها في الواقع الخارجي قرَّر أن هذا النوع ليس موجودًا، وإن كان ممكن الوجود عقلًا ولكنه غير موجود في الواقع الخارجي.
وكمثال في القرآن الكريم، لنحاول أن نحدد أخطاءنا بلغة الرياضيات؛ فقد تنشأ هذه الأخطاء من الإنسان نفسه، وقد تكون ناشئة من أعدائه، وهذه الأخطاء قد تكون قاتلة وقد تكون غير قاتلة، وهي قد تكون منظمة أو غير منظمة، ومن الممكن أن تكون مفاجئة أو معلومة، إذن لنحاول أن نرسم لها جدولًا في أذهاننا، ثم نبدأ بعد ذلك بقراءة القرآن، وننظر إلى الفراغات الموجودة في ذلك الجدول فنحاول أن نملأها.
إن فائدة هذا النوع من المحاسبة أنه لا يدع واقعة من الواقعات تشرد من فكر الإنسان، كما ويتيح التمييز بين الأنواع المختلفة، فإنّ من ضمن الأساليب العلمية للسيطرة على الشيء تجزئته، فإذا أردتَ أن تسيطر على فكرة معقدة فما عليك إلّا أن تحلِّلها، وتجزِّئها إلى أقسام صغيرة لتسلِّط الضوء على كل قسم منها.
ومن جهة أخرى إن تنظيم التفسير الموضوعي يصطبغ بالصبغة العلمية المحايدة، بينما في السياقي يرعى العملية التربوية والإصلاحية (معالجة المشكلة).
الأمر الرابع: ما هو السياق؟، وما هو سبيل التعرف عليه؟.
هو موضوع السورة المحوري الذي تدور حوله أفكارها. فهو الخيط الفكري الناظم للأفكار الفرعية، وهو القضية (والإشكالية) الرئيسية التي تعالجها الآيات.
ويمكن إختزال سبيل التعرف على موضوع السورة في خطوتين؛ الأولى تحديد الأفكار الفرعية، الثانية؛ الاستعانة ببعض العوامل المساعدة في فهم منحى تلك الأفكار.
أولًا: تحديد الأفكار
تحديد الأفكار الرئيسة عبر التصنيف والاستقراء، هو خطوة البداية بل الأساس؛ حيث يتيح وضوح هيكلية السورة للتأمل فيها. والتصنيف هو تقسيم السورة إلى مجموعات بحسب السياقات الصغيرة (الموضوعات) وفي داخل كل صنف يمكن إجراء تقسيم (التصنيف