من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - القرآن الحكيم وبناء الحكمة
القلبية تجاه الآخرين، فقال سبحانه وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [١].
وينهى ربُّنا عن التكبّر، ويبيِّن سُنَّة هذه الوصية الاجتماعية، بأنّ الإنسان كيان ضعيف فقال سبحانه وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [٢].
ويبيِّن حكمة ذلك أيضا (فيما يبدو) والتي تتمثل في أنَّ هذه الصفات قد تكون حميدة، ولكنها إذا كانت تعكس روح التعالي والتكبر تكون مكروهة، فيقول سبحانه كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [٣].
وفي خاتمة هذه الآيات ذات الوصايا الثمانية يُذكِّرنا ربك بأنّها من الحكمة الإلهية (التي تتشعب منها أحكام شرعية كثيرة) كما أنها بدورها تتشعب من توحيد الله، وإخلاص العبودية له فيقول سبحانه ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [٤]. تَدبَّر كيف وصل السياق بين الحكمة وبين التوحيد (والنهي عن الشرك بالله) باعتباره ينبوع الحِكَم، وقد قال النبي صلى الله عليه واله
[رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الله عَزَّ وَ جَلَ] [٥].
وهكذا نستوحي من التدبر في هذه الآيات الكريمة، إنَّ أحكام الشريعة تتفرع من شجرة التوحيد، وإنّ أصولها الحكمة والسُّنَن الإلهية، وإنَّ الراسخين في العلم يسعون أبداً لمعرفة أصول الحكمة، وآفاق السنن.
وهكذا يُعلِّمنا الدين كيف ينبغي أن نتعامل مع الأحكام الشرعية، فنعمل بظاهرها ونتعرف على باطنها. فظاهرها- كما جاء في صفة القران الكريم-
[فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ] [٦].
التكامل المعرفي بين الأصول والفروع
بين معرفة الأصول المُحْكمة في الشريعة، ومعرفة ما يتفرَّع عنها تكامُليّة لو تأمّلناها فإنّها سوف تُساهم في فقه الأحكام، وتُيَسِّر لنا إستنباط الفروع من الأصول. ومن أجل توضيح هذه
[١] الاسراء: ٣٦.
[٢] الاسراء: ٣٧.
[٣] الاسراء: ٣٨.
[٤] الاسراء: ٣٩.
[٥] وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ٢٢١.
[٦] الكافي: ج ٢، ص ٥٩٨.