من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - القرآن الحكيم وإثبات معانيه
وذلك لأن ما في كتب اللغة لا يعدو أن يكون تسجيلا ميتا لموارد الاستعمال، أو استنباطه لمعنى مشترك منها قد قام به مؤلفو الكتب، ومن هنا يكون تَعُّرف الشخص ذاتيا هذه الموارد إستنباطه بنفسه المعنى الجامع بينها، أفضل من تقليد كتب اللغة.
وبكثرة النظر في موارد الاستعمال يؤتى الفرد حسّاً أدبيا مرهفا يجعله يميز بين كلمتين مترادفتين بشكل دقيق، بالرغم من أنه قد لا يستطيع الإفصاح عما يعرفه بدقة وتحديد. وإذا كان قياس موارد الاستعمال ببعضها أفضل السبل لمعرفة المعنى الحقيقي للفظ ما، فإن افضل قياس من هذا النوع هو قياس موارد استعمال الكلمة في القرآن ذاته، إذ إنه- ولا ريب- ذروة البلاغة العربية، التي عجز عن تحديه أبلغ فصحاء العرب.
من هنا يجدر بالذي يريد التدبر في القرآن ذاته، أن يبحث عن المعنى المحدد للكلمة في آيات القرآن ذاته، ليجد- بقياس بعض المواقع المستعملة فيها الكلمة ببعضها- المعنى الدقيق الذي يقصده القرآن.
باء: السياق
لو بحثنا عن أول يوم تعلمنا فيه اللغة لعرفنا أن السياق كان أول سبيل لهذا التعليم. فالوالد استعمل لفظ العصا عندما كان يتكلم عن الضرب فعرفنا أنها وسيلة الضرب، والوالدة أطلقت لفظة الولاعة حينما تكلمت عن الطبخ فعرفنا أنها وسيلة النار.
ولا ريب أن وجود اللفظ في إطاره المتناسب يوحي بمعناه ربما أكثر من تفسير اللفظ دون سياق يحدُّه.
والقرآن الحكيم ذلك الكتاب البليغ الذي يناسب بين المفردات في إطار السياق بحيث يصعب عليك تبديل لفظة بأخرى دون أن تضر بتناسب الكلمات.
لذلك يهدينا السياق ذاته إلى المعاني الدقيقة للكلمات؛ لأنها وضعت في موقع متناسب جدّاً مع تلك المعاني، فإذا أردنا أن نعرف بالدقة معنى اللفظ كان علينا مراجعة ما قبلها وما بعدها، لمعرفة ما يتناسب معهما من معنى لهذه الكلمة، فمثلا لو أردنا، أن نكتشف معنى (قصد) في هذه الآية وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [١].
لو أردنا ذلك لقارنا بين القصد، والجائر، والهداية، حتى نعرف معنى القصد. لأنه جاء
[١] النحل: ٩.