من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩٩ - الرسالي بين التأمل الهادف وواجبات الرسالة
هي النار.
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ إن تفكُّر هؤلاء تفكُّر واعظ، حيث ينقل الدروس والعبر من واقع الحياة إلى واقعهم، ويجعلهم يتعرضون للحياة بما فيها من سنن ومناهج.
[١٩٢] إن هدف الإنسان في الحياة هو اختبار إيمانه ووعيه، ومدى فاعلية إرادته في مقاومة ضغط الشهوات، فإن نجح في الامتحان فإن الجنة مأواه، أما إذا فشل فإن مصيره إلى النار، وهي خزي يلاحق الذين ظلموا أنفسهم ولم يظلمهم الله شيئا، وسوف لا ينفع الظالمين شيء مما استفادوه في الدنيا بظلمهم رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
[١٩٣] هذه هي العبرة التي يستلهمها أولو الألباب من تفكرهم في الحياة. وسوف تستوضح هذه العبر، عن طريق الوحي الذي يسارع هؤلاء إلى التصديق به بسبب خلفيتهم الفكرية السليمة.
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا واكتشفوا بعد الإيمان أن بعضا من أعمالهم كانت مخالفة للمنهج الإلهي، فاستغفروا منها، وطلبوا من الله أن يصلح حياتهم، بعد أن أفسدتها ذنوبهم بالتوبة إليه منها وطلب الاستقامة من الله، على أن يجعلهم مستمرين في هذا الخط حتى الموت رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ.
[١٩٤] ولأن هؤلاء اكتشفوا بتفكرهم النافذ والبصير في الحياة، إأن الهدف الأسمى للإنسان، هو الجنة التي وعد بها الله عباده المؤمنين بواسطة الأنبياء، فهم سألوا الله ذلك وتطلعوا إليه وقالوا رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
[١٩٥] واستجاب الله لهم، ولكنه فرض عليهم شروطا، وطالبهم بامتلاك عدة مواصفات، أبرزها الهجرة. وهي الانفصال الفكري والعملي من الجاهلية.
ويستلزم هذا الانفصال التحدي، والصراع، وبالتالي الخروج من بلاد الجاهلية، وتحمل أنواع الأذى من الاغتراب، والفقر والذل. بيد أن كل ذلك يدفعهم لتنظيم أنفسهم، والاستعداد للعودة إلى بلادهم بالقتال.