من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٨ - الحياة بين آفاق المستقبل وشهوة الحاضر
والوحدة فذكر أن الله لا إله إلا هو .. يقوم بالنظام العادل والمتمثل في الإسلام، الدين الوحيد لله، وهو لا يعني الخضوع لفئة من الناس، ولا حتى لشخص معين، إنما يعني التسليم لله وحده. وبذلك يضع القرآن أرضية الوحدة بين أبناء الرسالات السماوية.
قد ينكر أحدنا اعترافه بالله، ولكنه يعرف قبل غيره أن أفكاره ليست سوى تكبر يتكلف به تكلفا، وأنه حين يستغشي ثيابه بالليل أو يبدأ يفكر بعيدا عن التكبر والمصلحة، آنئذ يؤمن بربه إيمانا أقوى من إيمانه بنفسه.
إن هيمنة الله على كل مرافق الحياة، وتجليه للناس في آيات الطبيعة حينا، وفي خلجات القلب أحيانا، هي اكبر شاهد على أنه لا إله إلا هو، وهل يكون شيء أكبر من الله وكل نظام قائم به، أوَ يكون شيء أكثر ظهورا من الله والسماوات والأرضون آياته؟!
إن الله هو ذاته دليل ذاته وهادي العباد إليه. وهو دليل إلى كل شيء غيره. من هنا قالت الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ وحين تشهد الملائكة وأولو العلم فليس ذلك سوى دليل بسيط جدًّا أمام شهادة الله ذاته إلا أنها قد تنفع الذين تغرهم الطبيعة بقوتها أو بغموضها، فيقول لهم القرآن: إن الملائكة الموكلة بالطبيعة وأولي العلم العارفين بالطبيعة هم بدورهم مؤمنون بالله.
وأكبر صفات الله العدل الذي يجريه في الطبيعة، حيث يسنّ للحياة سننا يجريها عليها بقدرة وسلطان. فلا يدع جانبا منها يطغى على جانب آخر. فقط الإنسان أكرمه بالحرية، ولكنه حدد حريته بوقت، فبعده يعيده إلى حدوده بالقوة إن لم يعد إليها بالهداية.
من هنا قال الله قَائِماً بِالْقِسْطِ أي مطبقا للنظام العادل في الحياة.
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ومن أولى بتطبيق العدالة في الحياة من العزيز (المقتدر) الحكيم (الخبير بالأمور).
[١٩] كانت هذه مقدمة جيدة لبيان أن لله دينا واحدا فقط، قد تختلف بعض تفاصيله من عصر لعصر ولكن أصوله تبقى واحدة، وتجري عليها الأمة المسلمة جيلا بعد جيل.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ولكن لماذا يختلف الناس إذن في الدين؟
هل لأن الله هو الذي أوحى باختلاف الرسالات؟ بالطبع لا .. بل لأن الاختلاف نابع من اختلاف الطبيعة، والمصلحة والهوى، لا من اختلاف الرسالة والعقل وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، فجذر الاختلاف نابع من