من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٩ - الإنفاق في سبيل الله
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ كم يحتاج هذا المسكين إلى هذه الجنة، التي هي خلاصة جهوده في الحياة الدنيا ..؟ ولكن كيف به إذا أحاط الخطر بجنته فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، هل يمكن تصور خيبة أمل هذا الشيخ المحروم من جهده؟! كذلك هي حالة ذلك الذي أنفق أمواله رجاء الثواب، ثم بعث بنار المن والأذى، فالتهمت ثواب إنفاقه، ويوم احتاج إلى ذلك الثواب لم يجده، ووجد الله هناك أعد له نارا لاهبة، جزاء ريائه وكبريائه السخيفين كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
[٢٦٧] إذن الشرط الأول للإنفاق الصالح: أن يكون في سبيل الله، والشرط الثاني ألَّا يُتبع بالمن والأذى، فلا يستثمر من أجل تكريس الطبقية في المجتمع، والشرط الثالث يبينه القرآن في هذه الآية ويقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ فعليكم باختيار أفضل ما عندكم، سواء حصلتم عليه بالجهد، كما المال والبناء، وما صنعتم بأيديكم، أو لم تصرفوا فيه جهدا، كما الزرع والضرع .. المهم أن تختاروا أفضل أموالكم لتقدموه لله، ولا تتوجهوا نحو الخبيث، حتى تختاروه للإنفاق، وفكروا لو انقلب الحال وكنتم أنتم الفقراء وغيركم ينفق عليكم هل كنتم تقبلون بهذا الخبيث؟
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا وتتساهلوا فِيهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وليس بحاجة إلى إنفاقكم، فهو غني وهو حميد في غناه. يتفضل عليكم من بحر غناه فيحمده الجميع، وأنتم- عباد الله المؤمنين به- تخلَّقوا بأخلاق ربكم، وأعطوا من غناكم شيئا يحمدكم الناس عليه.
[٢٦٨] ولا تستجيبوا لصراخ الشيطان الذي يناديكم من داخل أنفسكم: لا تنفقوا لأنكم سوف تصبحون فقراء لو أنفقتم. كلا .. إن الإنفاق يدوّر الثروة بين الناس، ويسبب انتعاش الاقتصاد، وبالتالي استفادة الجميع، وحين يدعوكم الله إلى العطاء، فإنه يدعوكم إلى أفضل منه. ومن جهة أخرى، الشيطان يخوفكم من الفقر، فتمسكون أيديكم فيكرهكم الناس، وتنتشر البغضاء، وتتولد منها الفحشاء، أوَلَيس الأفضل هو الإنفاق، حتى ينتشر المحبة والوئام والخصام.
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ لأنه يخوفكم منه. ولكن لماذا يريد الإنسان المال؟ أليس حتى يتصرف فيه بحرية؟ فكيف إذا جاءه الفقير، ولم يتصرف في المال بالإنفاق. إذن ما الفرق بينه وبين الفقير الذي لا يملك شيئا!، كلاهما لا يملك قدرة التصرف في المال، وحال البخيل