من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - الإنفاق في سبيل الله
يضاعف العطاء بسببها.
إذن الإنفاق في سبيل الله نوع من الاستثمار في الحياة الدنيا والآخرة، ولكن هذا الاستثمار مهدد بالخسارة، لو لم يحافظ عليه صاحبه، ويقاوم شهوة الشهرة والسلطة، وألَّا يتبع إنفاقه بالمن والأذى. الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى فلا يشبع شهوة الشهرة، أو السلطة، في نفسه عن طريق الإنفاق، فيتعالى على الفقير أو يتجبر عليه بغير حق، ويكوِّن لنفسه طبقة ضد طبقة الفقراء، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
[٢٦٣] ثم يؤكد القرآن هذا الشرط الصعب في الإنفاق، الذي يحتاج تحقيقه إلى ترويض شديد للنفس الأمارة بالسوء، وردع دائم للشهوات الشيطانية فيها. يؤكده ويقول* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى فلو لم يدفع الغني ماله للفقراء، ولكنه يجالسهم ويحسب نفسه واحدا منهم ويعتبرهم إخوانه، ولم يتسلط عليهم، بل إذا صدرت منهم خطيئة صبر عليها، وغفرها لهم. هذا أفضل عند الله من أن يدفع ماله بدافع السيطرة عليهم، وتذليل كرامتهم، وتكوين حالة طبقية في الأمة.
هكذا يرفض الإسلام أي نوع من الإنفاق المشروط من قبل الأغنياء يكرس كبرياءهم المزيفة، وتسلطهم اللا مشروع. وَاللَّهُ غَنِيٌ فلا يحتاج إلى إنفاق المرائين ولا غيرهم وإنما المحتاج هو الإنسان نفسه. وهو سبحانه حَلِيمٌ لا يبادر الناس بالعذاب بل يترك المجال مفتوحا لهم ليتوبوا حينما يغلبهم الشيطان.
[٢٦٤] ويتابع القرآن الحديث عن الفكرة ذاتها بكلمة توجيهية للمؤمنين يحذر فيها من أن صدقاتهم سوف تتبخر، بل وتحترق، بمجرد استخدامها في سبيل السيطرة على الفقراء والمحرومين، ولا تعود الصدقات سببا لنمو المال، ولا لرحمة الله في الآخرة.
ويضرب لنا مثلا موضحا ويقول: أرأيت كيف يبطل الإنسان عمل الخير؟ إنه أشبه شيء بأرض جبلية صماء، جمع الفلاح حفنة من التراب عليها ليزرع فيها، ولكن سيول المطر ذهبت بتلك الحفنة من التراب، فعادت الأرض إلى طبيعتها الأولى، لا تصلح للزرع، هكذا .. الذي ينفق ماله، ثم يستخدم إنفاقه للسيطرة كالصحراء لا تصلح لنبات الخير يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ حتى يراه الناس فيرضون عنه، ويقدرون جهوده، وبالتالي يتعالى عليهم. وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ حتى يكون عطاؤه في سبيله فهو لا يعمل لوجهه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ومادام إيمانه باليوم الآخر ضعيفا فهو يبحث عن