من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٥ - لنعد إلى سنن التاريخ
باء: الحرب مدرسة المقاتلين، تربيهم على الجدية والطاعة والتفكر وتقديم مصلحة الأمة على المصالح الخاصة وتعلمهم الصراحة والفكر العقلاني وهكذا.
وهذه الصفات ضرورية للأمة الرسالية، التي تريد أن تقود الأمم الأخرى. ولنفترض المجتمع الجاهلي في الجزيرة- مثلا- كيف كان يمكنه أن يقود العالم، وهو غارق إلى أذنيه في الفوضى، والجهل، والأنانية و ..؟ إنه كان بحاجة إلى مدرسة تربوية تخرِّج القادة. وكانت الحرب بما فيها من تضحيات، هي المدرسة التي خرَّجت قادة المستقبل، وحسب التعبير القرآني (الشهداء على الناس).
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ولذلك فهو بدوره، لا يظلم أحدا، وإذا أعطى النصر والتقدم فبعد إثبات الأمة لجدارتها، عن طريق التضحيات السخية. وإلا فقد كان ظالما- حاشا- لتلك الأمة المغلوبة.
[١٤١] جيم: ثم إن قلوب المؤمنين ليست طاهرة بالكامل من الريب في الرسالة، والشك في تعاليمها، فهي بحاجة إلى نار تطهرها، والتضحيات هي تلك النار، ذلك أن الإنسان الذي ضحى من أجل شيء فسوف يتمسك به، بعكس الذي حصل عليه مجانا وبلا تضحية، إنك تجد التاجر أحرص على ماله من ابنه الذي يرثه بغير تعب، كذلك المؤمن المضحِّي يكون إيمانه أقوى من غيره وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا.
دال: الكفار هم المعاندون للحق، المخالفون لتقدم الأمة، الذين يفضلون مصالح قومهم، أو أهواء أنفسهم على مصلحة الأمة، إنهم عقبات لا يمكن معالجتها، إنما يجب تصفيتهم بالكامل، ولكن كيف يمكن للأمة أن تتعرف على هذه العناصر، وتميزها من العناصر المتعلقة بها، أو الخاضعة لها لضعف أو عاطفة؟ وكيف يحق للرسالة أن تقتل الناس، بدعوى انهم يشكلون عقبة للمستقبل؟ كيف يمكن تبرير ذلك للجماهير؟.
أما إذا وقعت المجابهة الساخنة، وأخذت هذه العناصر تشكل تهديدا خطيراللأمة، فإن الأمة تجد المبرر الكافي للحرب والتصفية، كما أن المجابهة سوف تفرز العناصر الكافرة فعلا، عن الأخرى المخدوعة بها. كما تساهم في تصفية العناصر المعاندة التي تقف عقبة في طريق تقدمها. وهذا ما يسميه القرآن بالمحق وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ.
الجهاد والأماني الكاذبة
[١٤٢] هاء: ومن فلسفة الحرب الجهادية: أنها تعطي المؤمنين جدارة الدخول في الجنة،