من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٦ - لنعد إلى سنن التاريخ
التي هي مأوى المجاهدين الصابرين، وإذا لم يدخل المسلم الحرب كيف يميز المجاهد الصابر، عن القاعد المنهزم أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ إن البشر يُمَنِّي نفسه بأشياء كثيرة، هي بالخيال أشبه منها بالواقع، يُمَنِّي نفسه بالثروة بلا تعب، وبالسلطة بلا كفاءة، وبالشهرة بلا استحقاق، ويحتاج البشر إلى أن يتذوق مرارة الحياة عشرات المرات، حتى يقتنع أن تلك الأمنيات كانت أحلاما صبيانية، وكذلك يمني بعض المؤمنين أنفسهم بالجنة بلا عمل صالح ولا تضحية، ويحذرهم القرآن من هذه الأمنية الباطلة، لأن لها نتائج خطيرة، ففي الدنيا تقعدنا عن العمل، وفي الآخرة تجعلنا نواجه النار، ولا ينفعنا الندم، ولا يمكننا العودة إلى الحياة للتوبة.
[١٤٣] والمؤمن الحقيقي هو الذي يشري حياته في الدنيا بالآخرة، ويقدم كل ما عنده لله، في مقابل الجنة، ولذلك فأمنية المؤمن تخالف أمنية الرجل العادي، فهو يريد مزيدا من التعب، مزيدا من الجهاد، وبالتالي الموت في الله حتى يحصل على الآخرة.
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فكان الأجدر بكم أن تفوا بعهدكم، وتقتحموا غمار الموت باطمئنان نفسي، لأنها أمنيتكم التي وصلتم إليها.
[١٤٤] ثم إن ارتباط المؤمن برسالة الله أشد من ارتباطه بالرسول، ولذلك فإن موت الرسول لا يؤثر فيه سلبيا، لأنه كان هناك رسل ماتوا وبقيت من بعدهم الرسالة، إذن فالرسالة هي الهدف لا الأشخاص، وعلينا أن نضحي بأنفسنا من أجل أن تبقى الرسالة ولا نفكر بان موتنا، يؤثر في الرسالة، بل- بالعكس- إن استشهادنا من أجل الرسالة سيدعم موقفها في المجتمع وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ولكن الصامدين الذين يربطون أنفسهم بالرسالة وحدها، هم المنتصرون أخيرا، لأنهم شكروا نعمة الرسالة بالإيمان بها والتضحية من أجلها وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
[١٤٥] إذن: الرسالة هي الهدف، والموت من أجلها يهون مادامت الرسالة تنتصر بهذا الموت، والموت الهادف أفضل من الموت المحتوم، لأنه موت بثمن، في حين أن الآخر موت بلا ثمن.
وما دمنا نموت بآجالنا شئنا أم أبينا، فلماذا لا نموت لأفكارنا ومن أجل رسالتنا؟.
ثم من يقول: إن من يدخل المعركة سيموت، وإن من يتخلف عنها سيبقى، إنها سنة الله في عباده، متى بلغ كتاب الشخص أجله، مات في المعركة، أو على الفراش.