من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - أسماء الله الحسنى
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فبدل أن يشكر ربه على الملك الذي آتاه، انقلب على ربه وطغى في الأرض. إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وليس ربي مثلك أنت الطاغوت العاجز، قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أمر باثنين حكم عليهما بالإعدام، ثم عفا عن واحد وقتل الثاني، ولكن هل كان بإمكانه أن يعيد المقتول إلى الحياة؟ كلا بيد أن إبراهيم لم يشأ أن يجادله بل إنه هز فطرته بصورة عنيفة تجعله أمام الواقع بلا لبس ولا تشويه. قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. ولكن لماذا لم يؤمن؟ لأنه كان ظالما، والظالم يحجبه ظلمه عن الحق. إنه لا يفكر إلا بمصالحه وأهوائه وشهواته.
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الملوك الذين يحاربون الدعوات الإصلاحية، والأغنياء والمترفون الذين يناهضون الثورات الإصلاحية، والأحبار والرهبان والعلماء الذين يعادون الأفكار البناءة التقدمية، إنما هم ظالمون ويخشون العدالة والإصلاح. وكل ظالم اختار عمليًّا سبيل الاعتداء على حقوق الناس، فهو سيقف في صف الباطل- فكريًّا- كما وقف في صفه- عمليًّا- ويكفر بالحق عاجلا أم آجلا.
[٢٥٩] أما الذين التزموا بالحق عمليًّا ولم يعتدوا على حقوق الناس، فسوف يهديهم الله، لأن فطرتهم سليمة ولا تحجبهم عن رؤية الحقائق سوى الغفلة التي يكشفها الله عنهم، فإذا بهم يبصرون الحقائق، حيث هداهم الله إلى نفسه حين عرَّفهم أنه هو واهب الموت والحياة جميعا، وأنه قادر على أن يحيي الموتى.
إن سياق الآيات لا يزال يحدثنا عن تدبير الله سبحانه مباشرة للحياة، ويلهمنا أفكارا- عملية- مستوحاة من هذه الحقيقة ولقد رأينا آية الكرسي كيف انتهت بنا إلى ضرورة رفض حكم الطواغيت، أما هنا فينتهي بنا السياق إلى ضرورة الإيمان بالبعث انطلاقا من الإيمان بقدرة الله الواسعة. لنعد إلى الآية ولنستمع إلى قصة عزير الذي هداه الله إلى نفسه. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام كان مع عزير حماره وطعامه، الحمار كان قد أصبح رميما، أما طعامه فلم يزل طريًّا كذلك أراد الله أن يبين لعبده قدرته وتدبيره المباشر لشؤون الحياة فقال له فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتعفن .. بالرغم من مرور مائة عام عليه، أما الحمار فقد انتهى إلى رميم ولكن سيبعثه الله من جديد.
وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ حيث إن الله أحياك، من بعد موت دام مائة عام، وأحيا أمامك حمارك لتنظر إليه، وتنقل إلى الناس كيف، وبأية صورة يحيي