من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤١ - أسماء الله الحسنى
[٢٥٧] إن في الحياة سلطة حقيقية واحدة- متمثلة في سلطان الله- وقدره وقضائه، وبالتالي سننه الحتمية، وأنظمته التي لا تتحول ولا تتبدل. ومن خضع لهذه السلطة، واتصل بها، واستمد منها القوة والشرعية، استطاع أن يسخر الحياة، ويصبح خليفة عليها من قبل تلك السلطة. ومن كفر بها وتمرد عليها، وفتش عن سلطات وهمية واستسلم لها، ظل عبدا وتاه في ظلمات لا يبصر. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ لأنه وليهم وسيدهم، وهم اتصلوا بسلطانه، واستمدوا منه القوة والشرعية والنور. والهدى الذي لا يحصل عليه الإنسان مادام مستعبدا للطواغيت وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إذن فالإنسان الذي لا يخضع لله، لا يتمرد على الطاغوت، لأنه أساسا يكفر بالله استجابة لضغط الطاغوت المتمثل في المجتمع الفاسد، والنظام الفاسد والاقتصاد الفاسد، وأول ما يسلبه الطاغوت ممن يستعبده قدرته على التفكير واستقلاله فيه، فلا يرى إلا ما يراه الطاغوت. ولا يعمل إلا بما يملي عليه. من هنا يفقد عقله الذي وهبه الله للإنسان.
إن الشرط الأول للفكر السليم، هو التحرر من الاستعباد والتبعية. لأن العقل لا يتحرك إلا بوجود الثقة والحاجة. والرجل الذيلي أنَّى له الثقة بذاته أو الشعور بالحاجة إلى التفكر، مادام لا يحتاج إلى التفكر، ولن يطبق نتائج الفكرة لو قدر له عرضا أن يفكر في شيء.
والتفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور).
ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم .. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه الذي هو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للطاغوت. أرأيت لو آمن شعب بالله لأن السلطة السياسية فيه أجبرته عليه، هل هذه حرية أم استعباد ..؟ بالطبع استعباد، لأن هذا الشعب سوف يكفر بالله لو أن السلطة السياسية أمرته بالكفر. من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.
[٢٥٨] من الذي يمثل السلطة الشرعية الحقيقية في الحياة، الله أم الطواغيت؟
إنه الذي يمنح الحياة لمن يشاء ويقدر له الموت حينما يشاء، الذي يجعل الحياة تستمر بتزويدها بمقوماتها من نعم لا تحصى، الذي يدبر الشمس التي تطلع كل نهار لتملأ الدنيا دفئا ونورا وحياة، مَنْ هو غير الله سبحانه .. ولكن الظالمين لا يفقهون.