من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٧ - العلاقة التكاملية بين التقوى والأنظمة الاجتماعية
سورة البقرة عن التقوى في الدين، مما يحتاج إليه المجتمع، وأمر ألَّا يعتمد أحد الطرفين على حسن سلوك الطرف الآخر، بل يضبط عمله، فيكتب دينه إلى أجله ويستشهد عليه. والكتابة تكون بيد أمين، يملي عليه صاحب الدين فيكتب. وإن لم يكن هناك كاتب، فلابد أن يقبض صاحب الحق رهينة.
إن حكم الدين مَثَلٌ بسيط وواضح للعلاقة التكاملية بين التقوى بوصفها رادعاً نفسيًّا للمسلم عن الظلم، وبين الأنظمة الاجتماعية التي تمنع الظلم. فلا يمكن أن يكتفي المجتمع بواحد دون الآخر. إذ قد يكون الظلم ناشئا من عامل السهو والغلط والنسيان، وقد تكون التقوى ليست قوية إلى درجة منع الظلم، ولكنها إذا قرنت بالأنظمة الاجتماعية تصبحان معا عامل ردع ضد الظالم.
لهذا نجد: أن الله يأمر بالتقوى لتكميل ثغرات الأنظمة، فالكاتب والشهيد وصاحب الحق ومن يقترض منه، يجب أن يتزود كل أولئك بالتقوى، حتى يمكنهم التعامل من دون ظلم .. الكاتب يكتب بالعدل، والشهيد يقوم بالشهادة لله، وصاحب الحق لا يسأم من كتابة دينه صغيرا أو كبيرا، ومن عليه الحق (المقترض) لا يضار بالكاتب والشهيد، كل هذه ثغرات قانونية لا تسد إلا بالتقوى. وتأتي آية الدين لتكمل حديث القرآن هنا عن التقوى وربطها بالأنظمة الاجتماعية.
بينات من الآيات
كتابة الدين
[٢٨٢] من هنا يقرر القرآن أن من المفروض أن يكون الدين إلى أجل مسمى، وأن يكتب حتى تسهل المطالبة به، وبالتالي لا يحجم أحد عن إقراض أخيه بحجة الخوف من المماطلة فيه أو إنكاره.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وهنا تلقى المسؤولية على المثقفين، فعليهم أن يراعوا العدل في الكتابة فلا يزيدوا أو ينقصوا، وأن يتحملوا مسؤوليتهم في الكتابة فلا يحجموا عنها بسبب أو بآخر وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ وليتذكر الكاتب أن الله هو الذي زوَّده بنعمة العلم، فعليه أن يؤدي شكر هذه النعمة باستثمارها في خدمة المجتمع، فلا يمتنع عن الكتابة وليكتب كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ أي فليكتب الكاتب حسب ما يمليه عليه المقترض