من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٨ - العلاقة التكاملية بين التقوى والأنظمة الاجتماعية
لا حسب ما يمليه الدائن، لأن المقترض هو الذي سوف يُطالب بالمال في الأجل المحدد، وعليه أن يعترف سلفا بما يمكن فرضه عليه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً وهنا يأتي دور التقوى حيث من الممكن أن يتلاعب المقترض في الأوراق، فلا يعترف حين الكتابة بكل المال الذي استدانه، أو بالأجل المحدد له، فعليه أن يتقي الله ولا يغير في الكتابة الرسمية، منذ البدء، تمهيدا لأكل أموال الناس بالإثم.
فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً كأن يكون مريضا أو صغيرا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ بأي سبب من الأسباب كأن يكون مسافرا، أو شخصا كبيرا لا يمكن حضوره عند الكاتب أو ما أشبه، فآنئذ يقوم وكيله ووليه بالإملاء على الكاتب، ويعتبر إقراره وتعهده كافيين لمطالبة موكله أو وليه بالحق.
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ على الورقة الرسمية فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ من الذين تقبل شهادتهم لمزيد الثقة فيهم، ولكن لماذا تخلفت المرأة عن الرجل في الشهادة؟
السبب أن المرأة قد لا تضبط الشهادة بسبب انصرافها عنها، وانشغالها عادة بأمور أخرى، فكان من المفروض أن يزداد العدد لمواجهة النقص في النوعية أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وإذا طلب من الشهداء الحضور فعليهم الحضور لأنه من دون حضورهم قد يضيع الحق وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا.
ويجب أن يكتب دينه أنى كان قليلا أو كثيرا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ لأنه من دون الكتابة يتعرضون للنزاع، والنزاع قليله كثير، وقد يمنع النزاع الصغير من تدوير الثروة في المستقبل.
ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا فالله يحب ذلك لأنه يضع حدًّا لأكل المال الحرام، وهو يسهل عملية الشهادة، لأن النص المكتوب دليل قوي على الحق، وهو بالتالي يمنع انتشار الريب في المجتمع الإسلامي، واللاثقة التي تتسبب بدورها في تحجيم المعاملات التجارية.
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا فلا يكتب لتسهيل عملية التجارة من يد تاجر إلى آخر، مما يعرف بالطبع موقع تداول السلعة فلا يتعرض للنسيان، كما أن الإنكار فيها أو السرقة غير وارد بسبب طبيعة انكشافها لدى الناس.