من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٣ - وبشر الصابرين
إلى الله، وتعميق روح الإيمان فيه بوصفها قاعدة ثابتة لبناء كيان الأمة التوحيدي.
وبعد التوحيد عن طريق توجيه الإنسان إلى آيات الله، تأتي مرحلة التربية الرسالية (ويزكيكم) لتصفية النفس من سلبياتها، من الفردية، من الجهل، من العجلة، من الجبن، من ضعف الإرادة وضعف الهمة ..
إن الأمة التي لا تستطيع أن تتغلب على سلبياتها الخُلقية، لا تستطيع أن تنتفع بالشرائع والنظم، وإن تفوُّق الأمة في الإرادة، والتزامها الواعي شرط أساسي لتطبيق أي نظام أو قانون.
إنّ بداية الإصلاح في المجتمع الإنساني تبدأ من حيث مركز القرار، وهو النفس، التي لابد أن يكون صاحبها متصلًا بها لكي يكون الإصلاح؛ فإذا ما صلحت نوايا الناس ونفوسهم ظهرت بوادر الإصلاح. ولذلك كان التركيز القرآني على هذه النقطة أكثر من التركيز على أنواع الإصلاح الأخرى التي تتفرّع من مركز قرار الإصلاح في ذات الإنسان وضميره، كالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الإصلاح التربوي. ذلك لأن الحديث القرآني عن تلك الأنواع من الإصلاح لم يكن بمستوى الحديث عن إصلاح النفس الإنسانية، وتزكيتها، وتنمية مواهب الخير وبواعث الصلاح فيها.
وفي المرحلة الثالثة تحتاج الأمة إلى نوعين من الأنظمة. نوع ثابت يسميه القرآن بكتاب، ونوع يتطور وفق الزمان يسميه بالحكمة حسب ما يبدو لي.
هذه هي الشروط الثابتة لبناء أية أمة، وقد استوفت الرسالة الإلهية كل هذه الشروط وزيادة، حيث فتحت أمام الأمة آفاقا جديدة من العلم، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وعلينا أن نتذكر هذه الرسالة باستمرار، ونتذكر حاجتنا إليها وفائدتها لنا.
[١٥٢] ولذلك علينا أن نشكر الله على نعمة الرسالة حتى ينفعنا الله بها، ونشكر الله عليها ليزيدنا نورا فيها، ولا نكفر بهذه النعمة التي مَنَّ الله بها علينا، فالنعمة التي تُكفَر تزول.
والشكر نفسيّة إيجابية مبادرة تتمتّع بصفة الاستباق إلى الخيرات، والمسارعة نحو العمل الصالح.
أقول: لولا الظلام الذي يهيمن على الوجود في الليل، ما أحسّ أحد بأهمية النور وبسنا ضياء النهار. فمشكلة ابن آدم أنّ النعم التي تواترت عليه قد أذهلته عن حقيقته وعن وجودها هي أيضاً، علماً أن حقيقة الإنسان حقيقة عدمية، من منطلق أنّ كل نعمة من نعم الله عليه