من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٥ - تقديس الذات
الجريمة ذاتها حين تقع منهم على غيرهم وهل هناك جريمة دون جريمة أو بشر دون بشر.
بينات من الآيات
[٨٠] قبل كل شيء يجعل العنصري ذاته فوق المسؤولية ليبرر بعدئذ كل تصرفاته الشاذة، وهذه العملية خطيرة لسببين
الأول: إنها تميت ضمير العنصري، وتطفئ شعلة إحساسه كإنسان، فلا يعود يشعر بالإثم تجاه ما يرتكبه من موبقات وجرائم.
الثاني: إنها تبرر تصرفاته أمام الآخرين، وهنا نرى القرآن الحكيم يعالج هذه المشكلة في بني إسرائيل ومن ثم في كل الأمم التي قد تبتلي بها، فيقول وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. وبالطبع لم يكن هناك ميثاق من الله يتعهد لهم بألَّا يأخذهم على تصرفاتهم، إنما هم تصوروا ذلك انطلاقا من حبهم لذاتهم، وتقديسهم لها.
[٨١] ثم يؤكد القرآن الحكيم، أن كل إنسان مسؤول أمام الله عن تصرفاته السيئة، شاء أم أبى. وهذا وحده عهد الله وميثاقه، وسنته التي لا تتبدل. حيث يقول بَلَى أي إن هناك عهدا ولكن من نوع آخر هو مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، ربما التعبير ب- وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ يوحي بأن الإنسان قد يذنب ذنبا، ثم يستغفر الله، فيتوب عليه ربه. ولكن إذا أكثر من الذنوب ولم يغسلها بالتوبة، فإن خطاياه تحيط به من كل جانب، وآنئذ لا تدع له مجالا للعودة إلى الله. وهذه الآية تصدق على الكفار ومن بحكمهم، حيث تحيط بهم خطاياهم. وهذا الكلام يدل على أن العنصريين سوف يتوغلون في الذنوب انطلاقا من تصورهم أنهم بعيدون عن مسؤولياتهم، وهناك تأخذهم الذنوب، وترمي بهم إلى النار خالدين فيها.
[٨٢] وكما أن المسؤولية لا تعرف الفرق بين عنصر وعنصر، كذلك الجزاء الصالح لا يختلف فيه قوم عن قوم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
ميثاق الله لبني إسرائيل
[٨٣] هذا ميثاق الله مع الناس جميعا، وهناك ميثاق من قبل الله مع بني إسرائيل