من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٥ - دور رسالات الله في بناء الحضارات
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ هذه كانت مشكلة عقائدية (إيديولوجية) حلها موسى عليه السلام بإذن الله وقال الله تعالى
[٥٢- ٥٣] ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ماذا فعل موسى عليه السلام عفا عنهم بأمر الله ثم تلا عليهم الكتاب (وفيه الرؤى العقائدية العامة) والفرقان (وفيه التعاليم التفصيلية للحياة) فصحح بذلك رؤاهم، وعلمهم كيف يقتلعون من أنفسهم جذور الاستعباد حتى لا يعودوا إلى عبادة المال (العجل) مرة أخرى، هذه كانت ثورة ثقافية.
[٥٤] باء: ولكن انتهاء عبادة المال، من قِبَل أكثر الأمة، لم تدل على انتهاء دور الثروة في تهديد تحرر الأمة اجتماعيًّا. إذ كانت هناك طبقة قد أشربت قلوبهم بحب العجل. وكانت الأمة بحاجة إلى عملية تطهير، لتصفية العناصر الخبيثة منها وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
[٥٥] جيم: وبقيت المشكلة الثالثة هي التي نسميها بالمشكلة الإيديولوجية حيث كان لابد من ثورة علمية توحيدية، تخلص الأمة من رواسب الجاهلية المادية، المتمثلة في تصور الله في شيء مادي، وبالتالي تقديس الأشياء، انطلاقا من إلباسها ثوب الألوهية. والأمة لا تصبح متحررة بالكامل، إلا إذا تحررت من تقديس أي شيء أو شخص من دون الله سبحانه. إذ لولا ذلك لكانت الأمة معرضة للاستعباد.
فالأمة التي تقدس الأصنام لابد أن تستعبدها الأصنام أو كهنة الأصنام. والأمة التي تؤلِّه عيسى عليه السلام لابد أن يستعبدها كهنة الكنيسة. والأمة التي تقدس الأولياء على أنهم قد دخلتهم روح من الله، لابد أن يستعبدها المنتسبون إلى أولئك الأولياء.
من هنا حرصت الرسالة الإلهية على إنقاذ البشرية من جاهلية الشرك، لتصبح حرة كريمة لا تقدس إلا الله سبحانه. ولا تطيع إلا من أمر الله بطاعته وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ اختار موسى من قومه سبعين رجلا ليرافقوه إلى الطور، ولكنهم سرعان ما استبدت بهم جاهليتهم الأولى وقالوا: أرنا الله وإلا سوف نعود كفارا. فإذا بصاعقة من السماء تحرقهم جزاء كفرهم الصريح.
[٥٦] ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وكانت هذه الهزة كافية لتصفية نفوس هؤلاء من رواسب الشرك وتسبيح الله وحده.