من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٣ - الجماهير بين تقديس الذوات وبصائر القرآن
كذلك الإيمان، لو رافق حركة النمو عند الطفل منذ البداية، ساعد على استقامة الطفل في كافة جوانب تربيته. وذلك بألَّا تنمو فيه صفة على حساب صفة. فلا دلال على حساب المسؤولية. ولا كبت على حساب الشعور بالكرامة، ولا حب على حساب الاستقلال، ولا جفاء على حساب العلاقة الاجتماعية.
كما يساعد جو الإيمان في البيت، على تعزيز روح الالتزام في نفسية الطفل. ذلك لأن الطفل الذي لا يرى الذين من حوله ينفذون برامج محددة، وبإخلاص واطمئنان، فهو الآخر يحب أن ينفذ برامج مثلها من دون ضغط.
كل ذلك ساعد على إنبات مريم نباتا حسنا، وكان من أفضل نعم الله على مريم، انه كفلها زكريا ذلك الشخص العالم، والنبي العظيم، الذي أفنى عمره في الله، وخدمة لعباد الله. وهكذا يكون دور المربي الصالح، في تنمية كفاءات الطفل، حيث أثمرت تربيته الصالحة، ودعاء أم مريم وتربيتها في تكوين مريم التي اتجهت كلية إلى الله تعالى، وأخذت تقف ساعات طويلة، تتضرع إلى الله وقابلها ربها بفضله وذلك كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هذه مريم وأولئك أهلها، وتلك تربيتها، وهذا كفيلها، وهذا من فضل ونعم الله عليها.
كيف يختار الله الرسل؟
[٣٨] لنترك مريم مؤقتا إلى قصة أخرى تبين كيف يصطفي الله رسله.
بيَّن الله ببساطة لماذا فضلت مريم، والآن يبين أن كل من اتبع الطريق ذاته فسوف يصل إلى النتيجة التي وصلت إليها مريم؟ فهذا زكريا حين وجد عند مريم رزقا في غير موسمه، ومن غير الطرق العادية، عرف أن الدعاء إلى الله، زائدا العمل الخالص لله، ينفع الإنسان في الوصول إلى طموحاته، وغاياته بالطرق غير الطبيعية.
لذلك توجه إلى الله، بهدف تحقيق أمنية قديمة عنده هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ وبالطبع كان زكريا كأي نبي آخر، يعلم أن الله يجيب الدعاء، ولكن وجد مناسبة صالحة للدعاء ونبَّه عليها القرآن بكلمة هُنَالِكَ لكي تكون لنا عبرة، تدل على أن الله لا يَمُتُّ إلى أحد بقرابة، بل يجازي كل من يعمل صالحا. فلم تكن مريم الوحيدة التي أجيبت فيها دعوة والدتها، بل زكريا هو الآخر استفاد من الوضع ودعا ربه فاستجاب له ربه في ذريته.