من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٤ - القرآن الحكيم وبناء الحكمة
سبحانه قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [١].
وهكذا تجد كيف يبيِّن الله سبحانه و تعالى برنامجًا متكاملًا للحرية والاستقلال، والمحافظة على الكرامة الإنسانية المتمثلة في العبودية الخالصة لله.
أولًا: يأمر بتقوى الله،. وهي أصل كلِّ فضيلة وحِكْمة كلِّ شريعة، ويُرغِّب فيها بالحسنة التي تنتظر المتقين في هذه الدنيا، ويحرِّض على الهجرة (إن لزم الأمر)، ويأمر بالصبر على الأذى في جنب الله، ويَعِدُ الصابرين أجراً كبيراً وبلا حساب. إنّ هذه وصايا وأحكام شرعية.
ثانيًا: يأمر بإخلاص العمل لله، وبالتالي التمرد على الآلهة التي تُعبد من دون الله، وينذر العصاة بعذاب يومٍ عظيمٍ، ويتحدى الكفار الذين يعبدون ما شاءوا من دون الله، ويحذِّرهم بأنهم الخاسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويصف العذاب الذي يحيط بهم، وتلك سُنَّة الله التي لا تتبدل: إنّ الظلم في الدنيا ظلمات في الآخرة ونيران ملتهبة، وإنّ الكفر في الدنيا ظُلَلٌ هناك محيطة ولهب عظيم.
ثالثًا: ويحدِّد- تبعا لهذه السُنَّة وتلك الحكمة- برنامج الاستقلال الثقافي، حيث يعني عدة واجبات عملية
ألف: إجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، والاجتناب من الطاغوت أمر عام، ويتمثَّل هنا في التسليم الثقافي بلا تفكّر أو تعقّل، مما يُدعى اليوم ب- (نَفِّذ ثم ناقش).
باء: الاستماع إلى القول، ومعروف إنّ الاستماع غير السّماع، فهو عملية تفهّم وتعقّل، وهكذا لايجوز الانغلاق المطلق دون الدعوات والأفكار المستجدة، إنما يجب الاستماع إليها.
جيم: الانتخاب القائم على أسس منطقية، واختيار الأحسن وفقا لهدى الله ونور
[١] الزمر: ١٨ ١٠.