من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٧ - رسالة عيسى عليه السلام من ميزات النشأة إلى خصائص الرسالة
الرَّاكِعِينَ فالخضوع لله والتسليم لأوامره، والتجرد عن الذات (القنوت)، ثم التطبيق العملي لهذا الخضوع (السجود)، ثم التطبيق الاجتماعي له (الركوع مع الراكعين)، هو الواجب المضاعف على مريم عليها السلام، الذي استتبعه اختيارها للرسالة.
إذن .. مريم لم تسقط عنها التكاليف بسموها إلى درجة الصديقين، بل ازدادت للدلالة على خطأ الفكرة العنصرية.
[٤٤] وكانت من نتيجة طهارة مريم وتسليمها المطلق لله، أن أخذ الناس يختصمون أيهم يكفل مريم، فاحتكموا إلى القرعة بطريقة فريدة. أن يأتوا البحر ويلقوا فيه أقلامهم، فالقلم الذي يغوص في الماء يحظى صاحبه بشرف كفالة مريم، حيث كان ذلك هو زكريا كما بيَّن القرآن سابقا، ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ.
[٤٥] هذه هي مريم وتلك قصتها .. قصة امرأة صالحة تضرعت لربها، فولدت مريم الصدِّيقة، التي لم تكتف بطهارة مولدها، بل أتعبت نفسها في ذات الله فأصبحت صديقة.
أما قصة عيسى عليه السلام فقد ابتدأت من كرامة الله لمريم التي جزاها لأنها أحصنت فرجها بأن رزقها ولدا من غير أب إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
أسماء عيسى عليه السلام وخصائصه
إنه كلمة من الله، لأنه أخلص نفسه وأخلصه الله للدعوة إليه واصطنعه لنفسه. وإنه كلمة من الله، لان الله يخلق كل شيء من خلال السنن الكونية، أما عيسى فخلقه بكلمة، كما خلق كذلك آدم من قبل فقال له كُنْ فَيَكُونُ.
إن إرادة الله ومشيئته الحرة تتجسد في أمر إلهي، يسميه القرآن بالكلمة، لأن كل أمر يصدر منا نحن الذين يتحدث القرآن لنا وحسب مستوى فهمنا، يعبر عنه بالكلمة. ولكن لماذا سماه الله ب- (المسيح)؟ لأنه: لم يختر لنفسه منزلا بل انتقل من موقع لموقع، يدعو الناس إلى الله.
وعيسى لم يكن ابنا لله. بل لمريم. ولذلك نسبه الله إليها والحال أن القرآن يذكر أنبياءه من دون نسبة إلى أب، أو أم، أو عشيرة. فلا نجد في القرآن مثلا التعبير عن نبينا ب- (محمد بن عبد الله).
وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ ومَنْ أكثر وجاهة وشهرة وتقديرا من عيسى،