من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٧ - التدبر وآفاق السنة الشريفة
ومن هنا فالدلالة القرآنية المتاحة في مستوى (الظهور العرفي) لا ريب فيه. إلّا أنّ بيان الرسول لا يستغني عنه العلماء، وذلك ل-: (سعة الأفق الدلالي الممتد على الزمان) ولمثل (المعارف المستحدَثة وخصوصا المطلّة على الغيب).
نعم؛ إنَّ القرآن الكريم تميَّز بأسلوب فريد في اللغة العربية (مع التزامه باللسان العربي) يأخذ بالأَلباب ويأسر القلوب فكان مفهوما واضحا متين الحجة بالغ التأثير، لكن لا يخفى إن اللغة وحدها لا تكفي في فهم أبعاد الكلام.
فبدءاً إن القرآن في حديثه عن مواضيع استحدثها (كالآخرة، والأحكام، والمعارف العقائدية، والإشارات العلمية) قد استحدث دلالات لغوية وأبدع في التراكيب اللغوية. وثانيا إن انتماء الإنسان إلى لغةٍ مّا يجعله قادرًا على التفاهم بها دون أن توفر له المعرفة العلمية المكتوبة بها، ولا ريب إن المواضيع المعرفية المبتكرة واسعة في القرآن.
إن هذه الجِدَة في المواضيع ليست بالقياس لعرب الجاهلية أو البشرية آنئذ فحسب، وإنما بالقياس للبشرية بشكل عام، والسر إنَّ هذا الدين لليس وليد الثقافة البشرية، بل هو مختلف عنها، فإذا كان الزمان (التطور المعرفي) سيفتح الأفق لفهم الإشارات العلمية، فإنه لن ينفع في استكناه المعارف المتصلة بالغيب وتفاصيل الأحكام المجملة، ويكفينا إختلاف المسلمين دليلًا على ذلك حين حرموا أنفسهم من الناطقين عليهم السلام عن الكتاب.
وإذا كنا- معشر المسلمين- نقرأ الكتاب ونرى قسماً معتداً به مُيَسَّر الفهم لعامّة الناس ناهيك عن العلماء، فإنَّ ذلك مرده لانتشار التعليم النبوي بصور مختلفة بين المسلمين مما جعلهم يفهمون ظاهر الكتاب.
وبمراجعة السيرة النبوية سنجد أن التاريخ يكشف عن مضمون (الحاجة لبيان الرسول وتعليمه)، أي قيام الرسول الأعظم بتبيان القرآن للمسلمين، فكان صلى الله عليه واله يشرح النص القرآني، ويكشف عن أهدافه.
إن بيان النبي صلى الله عليه واله لعامة المسلمين كان لمجمل الدين في المستوى العرفي، والتفاوت في غير العرفي في البيان يكون منه صلى الله عليه واله بحسب قابلياتهم (كما تميز بعض الصحابة وعُرِفَ عنهم ذلك) أو بحسب حاجاتهم (شؤون تأسيس المجتمع والدولة)، فلم يشمل القرآن كله ناهيك عن أعماقه. وهذا يتفق مع طبيعة الأمور، ويدل عليه ندرة ما صح عن الصحابة من التفسير بالمأثور عن النبي صلى الله عليه واله، وأيضا تحيّر الصحابة في معاني بعض الآيات.