من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٠ - التدبر وآفاق السنة الشريفة
إن للآية مستوى من الدلالة يوازي الفهم العرفي، وهو الدلالة المباشرة للظاهر ولمكونات الآية اللغوية. وهذا المستوى وإن كان ليس نهاية الآية لكنه يؤثّر في مسار الآفاق المتوالية لمعاني الآية، فلا يؤخذ بما ينقضه. ومن هذا القبيل التفسير (العلمي) للآيات ذات الإشارات العلمية، فالمعنى وإن تولد بشرارة التطور العلمي إلا أن ظاهر الآية هو المعيار فلا يؤخَذ بما لا ينسجم معه. وإنّما ذكرنا هذا التنظير بالتفسير العلمي بهدف التقريب لمراتب الحجية وتكامل الدلالة، فالرواية ودلالتها لا ينبغي أن تنقض الظاهر، لكن هي الشرارة المولدة لفهم ما تدل عليه الآية.
ومن جهة ثانية إن الأفق الذي تفتح مساره الرواية (كما تطور المعرفة) يتأتى مع إبقاء العقل متيقظا نشطا في اتجاهين؛ في إتجاه النظر الكلي لكل آليات الفهم (اللغة، السياق، الرواية، ..) بحيث تتآزر لفهم الآية، وفي اتجاه النفاذ عبرها (مجتمعة) إلى المعاني المختبئة.
فمثلا؛ قوله تعالى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا [١]، فالسياق (عمل، شاكلة، الهداية)، واللغة: (الشواكل والعلامات والملامح)، والرواية: [قَوْلَهُ تَعَالَى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ قَالَ عليه السلام
عَلَى نِيَّتِهِ]
[٢]، فالمحصلة النهائية لدرك أبعاد الآية الكريمة الوصول إلى معنىً حاصله أنَّ عمل الإنسان يكون وفق صفاته النفسية.
وفي مثل أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فالحسد لبعض الناس على مراتب ومقامات دينية بقٌرينة فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [٣]، وبقي السؤال: من هم هؤلاء؟ .. تجيبك الرواية أنهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله [٤]. ومن هنا نلاحظ إمكانية الاستفادة من الرواية والآية كمعيار اختباري متبادل لصحة الفهم، حيث يصل المتدبر إلى الجسر الرابط بينهما.
٣- آفاق الاستفادة من الروايات
ألف: الروايات ترفد بمعلومات عن أحداث المشهد القرآني أو أبطاله، مثل تلك التي تحكي موقف موسى عليه السلام من فرعون، أو موقف فرعون من موسى، أو تبين لنا حياة السامري فتقول إنه كان في البدء صائغاً يملك المال، فهذه الرواية توضح لنا جانباً من فلسفة القصص التي جاءت في الآيات الكريمة، أو تكشف عن تفاصيل نافعة في فهم خلفيات الأحداث .. فيتأتى لنا- مثلًا- معرفة إن
[١] الاسراء: ٨٤.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٨٥.
[٣] النساء: ٥٤.
[٤] جاء في اصول الكافي: ج ١، ص ٢٠٥: عن الامام ابي جعفر الباقر عليه السلام انه قال في بيان الاية الكريمة: [نحن الناس المحسودون على ما اتانا الله من الامامة دون خلق الله اجمعين].