غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٨١ - الأمر الرابع في تعارض الاستصحابين
و الوقت
لا يسع إلاّ أحدهما، فكلّ من الاستصحابين في نفسه لا مانع من جريانه، بل
لا مانع من جريانهما معا فيدخلان في باب التزاحم فيقدّم الأهم منهما.
و ربّما يتوهّم أنّ دليل الاستصحاب واحد وشموله لهما في آن واحد فكيف يكون
أحدهما أهمّ من الآخر؟و هو باطل، لأنّ الأهميّة في المتيقّن وهو مجرى
الاستصحاب لا في نفس الاستصحاب.
و اخرى يكون تنافيهما لتكاذبهما بحيث لا يمكن أن يشملهما دليل التعبّد أصلا، وهذا على أنحاء:
أحدها: أن يكون أحد الشكّين مسبّبا عن الشكّ في الآخر، وليس المراد من
السببيّة السببيّة التكوينيّة، لأنّ الدليل التعبّدي لا مانع من شموله
للعلّة والمعلول في آن واحد، وإنّما المراد منها السببيّة الشرعيّة بحيث
إنّ جريان الاستصحاب في أحدهما يكون من أحكامه الشرعيّة رفع الشكّ في
الآخر، ومثاله المعروف مثال ما لو غسل الثوب المتيقّن نجاسته بماء مستصحب
الطهارة أو توضّأ بماء مستصحب الطهارة، فإنّ من أحكام طهارة الماء إزالة
الحدث والخبث لما غسل به، فلا يبقى مجال لجريان الشكّ في طهارة الثوب
وارتفاع حدث المتوضّئ، فلا يجري حينئذ استصحاب النجاسة والحدث، وهذا إنّما
يجري حيث يكون الأثر مترتّبا على الحكم الشرعي أعمّ من أن يكون الحكم
واقعيّا أو ظاهريّا كما مثّلنا، فإنّ طهارة الماء متى تحقّقت بحكم ظاهري أو
واقعي ترتّبت عليها إزالة الحدث والخبث.
أمّا لو كان الحكم إنّما يترتّب على الأمر الواقعي فلا، نظير أن يكون حيوان
مشكوك الحلّية والحرمة من غير ناحية التذكية، فأصالة الحلّية لا يترتّب
عليها جواز الصلاة في أجزائه، لأنّ جواز الصلاة من أحكام الحلّية الواقعيّة
ولم تثبت، وإنّما ثبتت الحلّية الظاهريّة بأصالة الحلّ.
نعم لو جرى استصحاب حلّيته في فرض لا مانع من الصلاة فيه حينئذ لما قدّمنا
من أنّ الاستصحاب ناظر إلى الواقع ومحرز للواقع بقاء، فيكون أمارة حيث