غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٧٩٢ - في التعدّي عن المنصوص من المرجّحات وعدمه وحجّة الطرفين
و لا يخفى عليك ما فيه:
أمّا أوّلا: فلأنّ معناه على هذا الأخذ بالرواية إذا كان رواتها أكثر من
رواة الثانية ولو بواحد، بأن كان رواة إحداهما واحدا مثلا ورواة الاخرى
اثنين، لأنّ ما رواتها اثنان لا ريب فيه بالإضافة، وهو مع أنّه خلاف صريح
الرواية، إذ قد علّق المرجّح على كونها مشهورة لا ريب فيها، ولو كان يكفي
ما ذكر لقال: إذا كان الراوي اثنين مثلا، فتأمّل، ومع ذلك فهو نفسه لا
يلتزم بذلك.
و أمّا ثانيا: فلأنّ«لا ريب فيه»ليس المراد منها نفي الريب عقلا كما ذكره،
ولكن أيضا ليس المراد نفي الريب بالإضافة لما ذكرنا، بل المراد نفي الريب
عرفا وهي المعبّر عنها بالمستفيضة عندنا، وحينئذ فكلّما كانت الرواية لا
ريب فيها عرفا بحيث يطمئنّ بصدورها نتعدّى إليها ونطرح المعارض عملا
بالعموم ولكن أنّى يوجد ذلك فيها.
الثاني: قوله عليه السّلام على ما ذكره هو: «فإنّ الرشد في خلافهم»تعليلا
للأخذ بما خالف العامّة وبعمومه يتعدّى، فإنّ المراد بالرشد ليس لمخالفتهم،
لأنّهم يكذبون في كلّ ما خالفنا، لأنّ كثيرا من أحكامهم موافقة لنا قطعا،
بل لأنّ ما يصدر عن الأئمّة على طبق مذاهب العامّة فهو للتقيّة حيث يوجد له
معارض، لقوّة احتمال التقيّة حينئذ أو لكذب العامّة كثيرا ولعملهم
بالقياس.
و حينئذ فـ(الرشد)بمعنى الحقّ والواقع لا بمعنى الحسن كما في الكفاية احتماله[١]،
ولا بمعنى الرشد بالإضافة إلى معارضه، بل المراد منه الحقّ ويكون مخالفة
العامّة طريقا غالب الإصابة للواقع، نظير قاعدة اليد وسوق المسلمين، وليس
المراد منه الحسن لعدم كونه ذا دخل في الطريقيّة ولا الرشد الإضافي لعدم
فهم العامّة له، فكلّما كان الاحتمال لعدم الصدور أقوى في الرواية يؤخذ
بالطرف الثاني[٢].
[١]كفاية الاصول: ٥٠٩.
[٢]انظر فرائد الاصول ٤: ٧٧-٧٨.