غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٨٥ - التنبيه الثالث في أخبار من بلغ
و لكنّ
يضّعف الأوّل-مضافا إلى الاستغناء عنه بحكم العقل-أنّ لسانها ليس لسان
إرشاد، بل لسان جعل الداعي للمكلّف والتشويق له نحو ذلك العمل، وأنّه مطلوب
للمولى كما هو ظاهر لكلّ من له ذوق سليم.
و يضعّف الثاني أيضا بالذيل المذكور في الروايات من قولهم عليهم السّلام: «و إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يقله»[١]إذ
ظاهرها جعل الاستحباب بالعنوان الثانوي وليس لسانها لسان إلغاء الشكّ
ولزوم التصديق لذلك الخبر وترتيب الأثر عليه، فيتعيّن الوجه الثالثكما فهمه المشهور من أصحابنا وذهبوا إليه[٢]
وإن كان تعبيرهم بالتسامح في أدلّة السنن يعطي الوجه الثاني، إلاّ أنّ
حكمهم بالاستحباب الشرعي في تلك الموارد كاف في كون هذا الخبر جاعلا
للاستحباب.
[١]الوسائل ١: ٥٩، الباب ١٨ من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث ١ و٣ و٤.
()و ربّما استدلّ بعض الأعاظم(لم نعثر
عليه)على إفادة هذه الأخبار جعل الاستحباب بقوله عليه السّلام فيها:
«فعمله»بدعوى أنّ الجملة الفعليّة قد تستعمل في الطلب، بل هي آكد من الجملة
الإنشائيّة فيه.
و فيه أنّ الجملة الفعليّة إنّما تستعمل في الطلب حيث تكون جواب شرط ظاهر
أو مقدّر، حيث إنّ حملها على الإخبار كذب فتحمل على الإنشاء، بل لم نجد
فعلا ماضيا استعمل في الطلب ولم يكن جواب شرط.
و ربّما استدلّ عليه بأنّ هذه الأخبار رتّبت نفس الثواب البالغ على العمل،
ولو كان الثواب على الانقياد لم يكن وجه لإعطاء نفس الثواب بعينه، بل يعطيه
ثواب الانقياد الّذي يستقلّ به العقل.
و لا يخفى ما فيه، فإنّه يمكن أن يكون أصل الحكم بالثواب عقليّا، وتقديره
بالبالغ من الثواب تفضّل في تفضّل، فإنّ أصل الثواب تفضّل، فتأمّل.
(الجواهري).
[٢]انظر مفاتيح الاصول: ٣٤٦.