غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - التنبيه الثالث في أخبار من بلغ
و
بالجملة، الظاهر من سياق هذه الأخبار هو جعل الاستحباب بالعنوان الثانوي،
إلاّ أنّ الكلام في أنّها توجب استحباب ذات العمل أو توجب استحباب العمل
المأتيّ به رجاء الأمر الاستحبابي واقعا؟
قال الاستاذ أيّده اللّه تعالى: وهذا النزاع إنّما يتأتّى إذا قلنا إنّ
أدلّة الاحتياط لا تقتضي استحباب الإتيان بالاحتياط رجاء، وإنّما تقتضي
استحباب ذاته.
و أمّا إذا قلنا باقتضاء الإتيان به رجاء لإدراك الواقع فلا حاجة إلى البحث
هنا في هذا الكلام؛إذ يأتي به رجاء بأدلّة الاحتياط من غير حاجة إلى أخبار
من بلغ الظاهر أنّها دالّة على استحباب ذات العمل، لأنّ الصحيحة في تلك
الأخبار وهي صحيحة هشام: «من بلغه شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإن
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يقله»[١]فقد رتّب الثواب على نفس العمل لا العمل رجاء إدراك الواقع، فافهم.
(و ممّا يدلّ على أنّ أخبار من بلغ في مقام جعل الاستحباب لذات العمل لا في
مقام الإرشاد لحكم العقل بحسن الانقياد، هو اعتبار البلوغ في موضوعها مع
عدم اعتبار البلوغ في موضوع الانقياد، إذ من احتمل وجوب شيء لا من خبر
بلغه إذا أتى به منقادا يثاب بثواب الانقياد قطعا، فاعتبار البلوغ دليل على
جعلها لاستحباب ذات العمل)[٢].
[١]الوسائل ١: ٥٩، الباب ١٨ من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث الأوّل.
()و لا يخفى أنّ أخبار الاحتياط مثل: «أخوك دينك»و غيرها إنّما هي في الواجبات المحتملة، وأخبار من بلغ في محتمل الاستحباب، فموضوع أحدهما غير موضوع الآخر، إلاّ أن يقال بأنّ الإتيان بمحتمل الوجوب رجاء مشارك مناطا للإتيان بمحتمل الاستحباب، فتأمّل. (الجواهري). راجع الوسائل ١٨: ١٢٣، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٤١.
[٢]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة وأضاف المقرّر في آخره: فتأمّل (الجواهري).