غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٥٠ - الاستدلال على البراءة بالاستصحاب
الثاني:
أنّ استصحاب عدم الإنشاء لا يثبت عدم الفعليّة إلاّ بالأصل المثبت،
توضيحه: أنّ الاستصحاب بالنسبة إلى تكليفي إنّما يكون المستصحب فيه حكما
إنشائيّا، لأنّ الموضوع الخاصّ وهو المكلّف الخاصّ لم يكن حينئذ، فالتكليف
بالنسبة إلى المستصحب إنشائي، فإذا استصحب المكلّف عدم ذلك الحكم الإنشائي
في أوّل البعثة مثلا فبالملازمة العقليّة تنتفي فعليّة التكليف، فإنّ عدم
الجعل لا تثبت عدم المجعول وهذا معنى المثبت.
و الجواب نقضا وحلاّ.
أمّا الأوّل: فباستصحاب بقاء الجعل المعبّر عنه بعدم النسخ فإنّ استصحاب
عدم النسخ ثابت لدى الاصوليّين والأخباريّين مع أنّ المحذور بعينه ثابت،
فإنّه كما أنّ عدم الجعل لا يثبت عدم المجعول، فكذلك بقاء الجعل لا يثبت
بقاء المجعول، فمن شكّ في وجوب صلاة الجمعة عليه يومها يستصحب عدم النسخ
بلا نكير، مع أنّ الحكم الإنشائي لا يثبت باستصحابه الحكم الفعلي على ما
ذهب إليه الميرزا قدّس سرّه.
و أمّا الثاني: وهو الحلّ، وتقريبه: أنّ الحكم كما ذكرنا ليس إلاّ اعتبار
المولى كون العمل على ذمّة المكلّف، فإذا كان الحكم هو الاعتبار فيجوز أن
يتعلّق بأمر متأخّر كما يتعلّق اللحاظ والتصوّر الذهني له، وحينئذ فالحكم
الإنشائي هو عين الحكم الفعلي، ولا فرق بينهما أصلا إلاّ وجود الموضوع
وعدمه، فإنّ صيرورة الحكم فعليّا بوجود موضوعه أمر قسريّ، وإلاّ فالحكم في
عالم الإنشاء هو صرف الاعتبار، وفي عالم الفعليّة هو صرف الاعتبار، فليس
أحدهما غير الآخر حتّى لا يثبت أحدهما باستصحاب الثاني. فظهر أنّ هذا
الاستصحاب لا إيراد عليه، وحينئذ فإذا كان استصحاب عدم الجعل ثابتا لا يبقى
مورد لأخبار البراءة حينئذ، إذ حينئذ يصير علما بالعدم، فتختصّ أخبار
البراءة بالشبهة الموضوعيّة والحكميّة الغير المسبوقة بالحالة السابقة.