تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٤ - الإشراق الثاني
من جميع الجوانب ما يلي السماء و التحت المركز، و كما يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأنّ ذلك المسمّى بالهبوط صعود بالحقيقة إلى جهة السماء أيضا، فإذن لا حاجة في سكون الأرض و قرارها في حيّزها إلى علاقة من فوقها، و لا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ميلها الطبيعي إلى تحت، و هذا هو رأي أرسطاطاليس و جمهور أتباعه الذين التزموا القوانين العقليّة و تحاشوا عن القول بالظنّ و التخمين و عن المجازفة بالتقليد.
و اعترض عليه الإمام الرازي [١] بأن هذا أيضا ضعيف لأنّ الأجسام متساوية في الجسميّة فاختصاص البعض بالصفة التي يطلب لأجلها تلك لا بدّ و أن يكون أمرا جائزا، فيفتقر إلى الفاعل المختار.
أقول: و العجب من هذا المتبحّر مع استغراقه و تبحّره في الأفكار كيف يشتبه عليه الأمر في تجويزه ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين أو الأمور المتساوية من غير مرجّح، مع أنّ كلّ عاقل إذا راجع وجدانه حكم بفساده.
ثمّ لم يعلم إن تجويز مثل هذا الفاعل المختار- الذي أثبته هو و أصحابه من أتباع الشيخ الأشعري زعما منهم إن في ذلك تقوية الدين و نصرة الشريعة- ينفسخ أصل الدين، و ينسدّ طريق إثبات الصانع باليقين، و كذا إثبات جميع المطالب و الأصول الحقّة البرهانيّة؛ فكلّ مختار لأحد طرفي أمر أو لأحد أشياء متساوية النسبة لا بدّ أن يترجّح عنده أحدهما أو واحد منها، فإنّه إن لم يترجّح فنسبته الشيء إليه إمكانية، فلا يقع الممكن دون مرجّح.
فالذي يقال «إن الإرادة تخصّص أحد الجانبين، بالوقوع لا بناء على أولوية، بل لأن من خاصيّة الإرادة تخصيص أحد المثلين أو الأمثال من دون الحاجة إلى مرجّح و لا يسئل عن اللميّة- فإن لوازم الماهيّة لا تعلّل» كلام لا حاصل له، فإنّ
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٢٢ و الظاهر ان الأقوال أيضا منقولة من هناك.