تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١١ - فصل
او مقدّر منويّ، و هو: إن شركائكم لا تماثله أو لا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله:
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [٣٠/ ٤٠] و المقصود منه التوبيخ و التثريب، لا تقييد النهي بالجملة الحاليّة و قصره عليها، فإنّ التكليف عامّ للعالم و الجاهل المتمكّن منه- لا يختصّ بالعلماء، و إن كان الأمر عليهم أشدّ، و الحجّة عليهم أقوى.
فصل
و أما الأنوار الإلهيّة و الأسرار الربوبيّة المندمجة في طيّ ألفاظ هاتين الآيتين فكثيرة منها: إن الخطاب ب «يا أيّها الناس» يستدعي حضورهم كلّهم دفعة واحدة- كما هو مفاد الخطاب لاسم الجمع المحلّى باللام- و أين للمعدوم الغائب منهم وجود حاضر و سمع يسمع به الخطاب؟! و السرّ فيه إن للإنسان نحوا آخر بل أنحاء اخرى من الوجود قبل دخوله في عالم الحسّ و الشهادة كما إن له نشأة اخرى بل نشئات اخر بعد خروجه من هذا العالم.
و منها إن صيغة الأمر كما تحتمل الأمر التشريعي تحتمل الأمر التكويني، كما في قوله تعالى: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً [٢١/ ٦٩] و قوله: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ [٣٤/ ١٠] و التخلّف عن الأمر بالمعنى الأول محرّم، و عنه بالمعنى الثاني مستحيل؛ فقوله. «اعبدوا» إن كان أمر تكوين يجب وقوع مقتضاه.
و هو كذلك إلا إنّ العبادة أيضا على ضربين: إحداها ما لا تكلّف فيه- و هو الامتثال الوجودي و الطاعة بحسب الجبلّة، فجميع الأشياء بذواتها و طبائعها مطيعة للّه تعالى- و الثاني ما لا يخلو عن تكلّف و تعمّل، و هو مخصوص بنوع الإنسان،