تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٢ - الاشراق الرابع في تأكيد القول بوجوب المعرفة
و كلّ ذلك إما من وجود الجواهر أو الأعراض فالطرق إلى اللّه من ستّة جهات لا مزيد عليها، و القرآن مشتمل عليها:
الأول: إمكان الذوات، و إليه الاشارة بقوله تعالى: وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ [٤٧/ ٣٨] و بقوله حكاية عن خليله عليه السّلام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [٢٦/ ٧٧] و بقوله: أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [٥٣/ ٤٢] و قوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [٥١/ ٥٠] أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [١٣/ ٢٨].
الثاني: الاستدلال بإمكان الصفات كقوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [٦/ ٧٣] و قوله هاهنا الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً كما سيأتي تقريره.
و الثالث: بحدوث الأجسام، و إليه الإشارة بقوله: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.
و الرابع: بحدوث الأعراض، و هذه الطريقة أقرب إلى أفهام الخلق، و ذلك [محصورة] في دلائل الآفاق و دلائل الأنفس، و الكتب الالهيّة في الأكثر مشتملة على هذين البابين، فكلّ ما ذكر من الآيات في حدوث أحوال الإنسان و انقلاباته في الأطوار و تغيّراته في الأحوال يكون من دلائل الأنفس، و إليه الإشارة بقوله:
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ و حاصلها يرجع إلى أن كل أحد يعلم بالضرورة إنّه لم يكن من قبل فصار الآن كائنا، فيفتقر إلى موجد، و ليس موجده نفسه، و لا أبواه، و لا سائر الخلق لعجزهم عن مثل هذا التركيب بديهة- فلا بدّ من موجد يخالفهم في الحقيقة- يتعالى عن أن يشابههم- حتى يصحّ منه إيجاد هذه الاشخاص.
ثمّ لقائل أن يقول: «لم لا يجوز أن يكون الموجد المدبّر طبائع الفصول و الأفلاك و النجوم؟» فأشار إلى ردّ هذا الاحتمال بافتقارها إلى المحدث الموجد بقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً.
و كلّ ما ذكر في تغيّرات الأوضاع السماويّة و الأرضيّة هو المراد من دلائل الآفاق و يندرج فيها الرعد و البرق و الرياح و السحاب و اختلافات الأمزجة و الفصول