تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٤ - الإشراق الثاني
حكمه باختلاف أحوال المكلّفين من غير تناقض و تضادّ- كذلك حكم المجتهدين من العلماء إذا أدّى اجتهاد كلّ واحد منهم في حكم الحادثة التي لا نصّ فيها إلى خلاف ما أدّى إليه اجتهاد الآخر فيكون كلّ واحد منهم متعبّدا مكلّفا فيما أدّى إليه اجتهاده باتّفاق الامّة و لهذا المعنى كانت شرائع الرسل صلوات اللّه [عليهم] مختلفة و أديانهم في التوحيد و المعاد متّفقة، و إذا ثبت ذلك فثبت أنّ هذا العلم أشرف من سائر علوم الدين- فضلا عن سائر العلوم- و أن اقتنائه فرض عين، فمن شأن العاقل أن يحتاط لنفسه و يطلب ماله فيه نجاة العقبى و الفوز بالدرجة القصوى، فإن امور الدنيا زائلة و عذاب اللّه شديد- نسئل اللّه العصمة و التسديد.
الإشراق الثاني [١]
في أنّ هذا العلم هو الفرض على العين لا على الكفاية، و سائر العلوم إما فرض على الكفاية أو ليس بفرض أصلا، و أنّ المراد من
قوله صلّى اللّه عليه و آله [٢]: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»
و
قوله [٣]: «اطلبوا العلم و لو بالصّين»
هو هذا العلم دون غيره و قد وقع الاختلاف بين الناس في العلم الذي هو فرض عين، و تحزّبوا أكثر من عشرين فرقة و يطول الكلام بتفصيلها، و حاصله إن كلّ فريق نزّل الوجوب العيني المستفاد من الحديث على ما هو بصدده، فقال المتكلّم: «هو علم الكلام إذ به يدرك التوحيد و يعلم ذات اللّه و صفاته» و قال الفقيه: «هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات و ما يحرم و يحلّ في المعاملات» و قال المفسّرون و المحدّثون: «هو علم الكتاب و السّنة إذ بهما يتوصّل إلى العلوم كلّها».
[١] هذا الإشراق ملخّص الباب الثاني من كتاب العلم من إحياء علوم الدين للغزالي ١/ ١٤- كما سينبّه عليه أيضا.
[٢] الكافي: كتاب فضل العلم، ١/ ٣٠.
[٣] الجامع الصغير: ١/ ٤٤.