تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٨ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٥
و لو لا الحساب و العقاب، و الجزاء و الثواب للزم الجور، و بطل العدل، و ضاعت الحقوق عن أربابها، و استقرّت الظلامات على أصحابها، و لم يبق فرق بين إحسان المحسن و إساءة المسيء؛ بل لكان النفع ضرّا و الضرّ نفعا، فإن الخير و الإحسان في أكثر الأمر يوجب المشقّة و المضرّة، و نقصان القوّة، و فوات المال و اللذة بحسب الدنيا؛ و الشرّ و الإساءة على خلاف ذلك بحسبها؛ فلا بدّ من نشأة اخرى يقع فيها المجازاة على أعمال الناس و انتقام المظلوم عن الظالم، و إيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم.
منها في يونس: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ [١٠/ ٤].
و منها في طه: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [٢٠/ ١٥] و منها قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [٥٣/ ٣١].
و منها قوله تعالى في سورة ص: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ* أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [٣٨/ ٢٧- ٢٨].
و هذه الطريقة عند التحقيق ترجع إلى طريقة إثبات الغايات للموجودات، فإنّ للأشياء الطبيعية غايات تتوجّه إليها في حركاتها و انقلاباتها و هي نهاياتها الذاتيّة، و تلك النهايات أيضا موجودات طبيعيّة تتوجّه إلى غايات ذاتيّة اخرى، و هكذا لكلّ غاية غاية اخرى حتّى يحصل الانتقال من دار الزوال إلى دار القرار، و من الطبائع إلى الحقائق- كلّ يرجع إلى أصله و من الحركة إلى السكون يومئذ لا يتساءلون وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [٢٠/ ١٠٨] و من الخلق إلى الحقّ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [٤٢/ ٥٣] و من الظلم إلى العدل لا ظُلْمَ الْيَوْمَ