تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٨ - فصل«و يفسدون في الأرض»
عن موالاة المؤمنين و العلماء، و التفرقة بين الأنبياء و الكتب في التصديق، و ترك الجماعات المفروضة، و سائر ما فيه ترك خير او تعاطي شرّ فإنّه يقطع الوصلة بين اللّه و بين العبد المقصودة بالذات من كلّ وصل و فصل.
و هذا عند التحقيق راجع إلى ما ذكر أولا.
و «الأمر» هو القول الطالب للفعل. و قيل: «مع العلوّ و الاستعلاء». و إطلاقه على الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر، فإنّه ممّا يؤمر به، كما قيل: «له شأن» و هو الطلب و القصد، يقال: «شأنت شأنه» أي: قصدت قصده.
ثمّ الأمور كلّها في هذا العالم- عالم الخلق- حاصلة بأمره تعالى و قوله، و هو عالم الأمر كلّه، لأن أمره و قوله و كلمته ليس من جنس الأصوات و الحروف و الحركات؛ بل أمره التكويني جوهر الروح، كما قال قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١٧/ ٨٥] وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ [٤/ ١٧١] و ما يحصل منه بواسطة أمره التكويني هو عالم الخلق، و إذا قطع النظر عن ترتيب الوسائط و الأسباب و نسب الكلّ إليه ابتداء كان كل شيء أمره الايجادي، لعدم المغائرة بين أمره تعالى و المأمور بأمره تعالى في الأمر الايجادي، بخلاف الأمر التشريعي منه، أو الأمر الصادر من غيره، فإنّ الآمر و المأمور به فيهما متغايران كما وقعت إليه الإشارة سابقا.
فصل «وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ»
فسادهم إمّا متعدّ او لازم:
فالأول كمنعهم عن طاعة الرسول و اتّباع شريعته صلّى اللّه عليه و آله، لأنّ تمام صلاح أهل الأرض بطاعة اللّه و التزام شرائعه، إذ بهذا الالتزام يندفع الجور و الظلم و يبقى الحرث و النسل، و يتحفّظ الأنواع فيها و يظهر العدل الذي به قامت السموات.