تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٨ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٤
و فيه مع ما مرّ في الآية السابقة دلالة على حقيّة النبوة من وجوه:
أحدها: ما فيهما من التحدّي و التحريض على الجدّ و بذل الوسع و جمع العدد و العدد في المعارضة بالتقريع و التحديد و تعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من القرآن، ثم إنّهم مع كثرتهم و اشتهارهم بالفصاحة و تهالكهم على المضادّة لم يتصدّوا لمعارضته، و التجأوا إلى جلاء الوطن و العشيرة و بذل الأرواح و المهج، و هذا من أقوى الدلائل على إعجاز القرآن لأنّهم- و هم فرسان اللسان- لو كان في إمكانهم و مقدرتهم الإتيان بمثله او بمثل سورة منه لأتوا به، و حيث ما أتوا به ظهر العجز و علم المعجز.
و ثانيها: إنّه صلّى اللّه عليه و آله و إن كان متّهما عند الأشرار و الكفّار فيما يتّصل بأمر النبوّة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل و كمال الفضل و الحزم في معرفة العواقب، فلو تطرّق الشك او التهمة إلى ما ادّعاه من النبوّة لما استجرأ في دعواه و لم يتبادر نفسه إلى أن يتحدّاهم بالغا في التحدّي نهايته، و في التقريع للخصوم غايته، بل كان خائفا من وقوعه في فضيحة يعود و بالها على جميع أموره- حاشاه من ذلك صلّى اللّه عليه و آله فلو لا كان على بصيرة في أمره و تثبّت في قول ربّه، و معرفة بعجزهم و أمثالهم عن المعارضة لما اجترأ على أن يحملهم على المعارضة بأبلغ وجه و آكده.
و ثالثها: إنّه [لو] لم يكن قاطعا بصحّة نبوّته لما قطع في الخبر بأنّهم و نظرائهم من أفراد البشر لن يأتوا أبدا بمثل القرآن، فإنّ الشاكّ المجوّز لوقوع خلاف ما ادّعاه لا يقطع في الكلام هذا المبلغ مخافة أن يظهر خلاف دعواه فتدحض حجّته، و قد أوجد اللّه مصداق ما أخبره و مطابق ما وعده رسوله حيث إنّه من أوان رسالته صلّى اللّه عليه و آله إلى هذا العصر لم يخل وقت من الأوقات من أعادي الدين و خصماء الإسلام و من يشتدّ دواعيه في الوقيعة فيه و الإطفاء لنوره.
ثمّ إنّه مع ذلك لم توجد المعارضة قطّ، إذ لو عارضه معارض بشيء لامتنع