تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٤ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٦
فليس الكبير أولى بأن يضرب مثلا كالفيل و البعير إذا كان الأليق بحال الممثّل له تمثيله بالحقير- كالذباب و العنكبوت.
فإذا كان المراد تقبيح عبادة الكفرة للأصنام و عدو لهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب لها المثل بالذباب في عدم اقتدارهم على دفع المضرّة عنهم، و ببيت العنكبوت في وهن عقائدهم الباطلة، و ضعف أصولهم الفاسدة؛ و في هذا المقام كلّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى و أحكم.
و قد ضرب اللّه الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقّرة، فمثّل غلّ الصدور بالنخالة، و القلوب القاسية بالحصاة، و مخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير، و مثّل بالزوان- و هو حب يخالط البر- و بالخردل و المنخل و الأرضة و الدود.
قال تعالى [١]: «مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيّدة نقيّة فلمّا نام الناس جاء عدوّه فزرع الزوان، [فلما نبت الزرع و أثمر العشب غلب عليه الزوان] [٢] فقال عبيد الزارع: يا سيّدنا- أليس حنطة جيّدة نقيّة زرعت في قريتك؟
قال: بلى. قالوا: فمن أين هذا الزوان؟
[قال لهم: هذا فعل العدوّ. قالوا: أ تريد أن نذهب و نقلع الزوان؟] [٣] قال:
لعلّكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه الحنطة، دعوهما يتربيّان جميعا [حتّى الحصاد] فأمر الحصّادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة، و أن يربطوه حزما، ثمّ يحرق بالنار و يجمعوا الحنطة إلى الخزائن.
و افسّر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيّدة، و هو أبو البشر، و القرية هي العالم، و الحنطة الجيّدة النقيّة هو نحن أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة اللّه،
[١] إنجيل متى: الباب ١٣. و المصنف نقل هذه النصوص من تفسير
الفخر الرازي: ١/ ٣٥١. (٢، ٣) الإضافات بين من الأصل.