تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٤ - فصل في العلم المحمود و العلم المذموم
فصل في العلم المحمود و العلم المذموم
قال صاحب الإحياء [١]: «إنّ العلم بهذا الإعتبار ثلاثة أقسام: قسم مذموم قليله و كثيره، و قسم محمود كلّه و كلّما كان أكثر فهو أفضل، و قسم يحمد بقدر الحاجة و لا يحمد الفاضل فيه؛ و الاستقصار فيه، و هو مثل أحوال البدن: فمنه ما يحمد قليله و كثيره كالصحّة و الجمال، و منه ما يقابله كالقبح و سوء الخلق، و منه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال، فإنّ التبذير فيه لا يحمد؛ و كالشجاعة، فإنّ التهوّر لا يحمد فيها و إن كان من جنس الشجاعة.
فكذلك العلم- فالقسم المذموم كلّه ما لا فائدة فيه في دين او دنيا، كعلم السحر و الطلسمات و النجوم، فبعضه لا فائدة فيه و صرف العمر فيه إضاعة أنفس ما يملكه الإنسان، و إضاعة النفائس مذموم.
و أما القسم الممدوح إلى أقصى غاية الاستقصاء هو العلم باللّه و بصفاته و أفعاله و جريان سنّته في خلقه و حكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا. فإنّ هذا العلم علم مطلوب لذاته، و التوسّل به إلى سعادة الآخرة و بذل المقدور فيه إلى غاية الجهد قصور عن حدّ الواجب، فإنّه البحر الذي لا يدرك غوره، و إنّما يحوم الحائمون على سواحله و أطرافه بقدر ما يسّر لهم، و ما خاض أطرافه إلّا الأنبياء و الأولياء الراسخون في العلم- على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوّتهم و تفاوت تقدير اللّه في حقّهم.
و هذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب و يعين على التنبّه له التعلّم و مشاهدة أحوال علماء الآخرة في أول الأمر، و تعين عليه في الآخرة المجاهد [ة] و الرياضة و تصفية القلب و تفريغه عن علائق الدنيا و التشبّه بأنبياء اللّه عليهم السّلام و أوليائه
[١] احياء علوم الدين: ١/ ٣٨.